ولا نرفع الضغط عن رهطه
10
فقد كنزوا كل علق ثمين
وفرق عراهم وخذ مالهم
فأنت أحق بما يجمعون
ولا تحسبن قتلهم غدرة
بل الغدر في تركهم يعبثون
فقد نكثوا عهدنا عندهم
فكيف نلام على الناكثين
وكيف تكون لنا همة
ونحن خمول وهم ظاهرون
فثار عليهم المسلمون وقتلوا منهم وخيروا الباقين بين الإسلام وبين الرحلة من البلاد.
على كل حال كان موسى بن ميمون في هذه الظروف التعسة وسنه ثلاث عشرة سنة، وقد تعلم على أبيه إذ كان قاضيا في المحاكم اليهودية، فلما خير اختار الرحيل عن الأندلس، فرحل هو وأسرته إلى فلسطين ونزلوا عكا، ثم انتقلوا إلى بيت المقدس، ثم انتقلوا أخيرا إلى الفسطاط في مصر. وكان موسى يترفع عن أن يتكسب بعمله الديني، فاشتغل بالطب واشتهر به، واتصل عن طريقه بالقاضي الفاضل وزير صلاح الدين، ونجح في طبه نجاحا كبيرا، فكان يقصده الناس من كل ناحية. وقد كتب ابن ميمون كتبا كثيرة أكثرها بالعربية وأقلها بالعبرية، وأقبل الناس من يهود ومسلمين على دراسة كتبه الفلسفية والطبية. ومما زاد في انتشارها في أوربا ترجمتها إلى اللغة اللاتينية، وأهم كتبه كتابه «دلالة الحائرين» ويعني بالحائرين الذين حاروا في قضايا كثيرة بين العقل والدين، وهي مسألة عالجها كثير من الفلاسفة المسلمين، كابن رشد وابن سينا وابن باجة. ومن رأي ابن ميمون أنه لا تناقض بين العلم والدين، ما دام ينظر إليهما نظرة سمحة واسعة تجعل الدين قابلا للتأويل.
وكما كانت له كتب فلسفية من هذا القبيل كانت له كتب دينية يهودية من جمع النصوص والروايات. وقد هاج المسلمون عليه في مصر؛ لأنه كان قد أسلم مدة في قرطبة خوفا من القتل، فلما أمن في مصر عاد إلى دينه، فاتهموه بانه مرتد، ولكن قال القاضي الفاضل: إنه أكره على الإسلام، فلا يعد مسلما صحيحا فلا يكون مرتدا، وبذلك نجا. وله رسائل كتبها إلى أصحابه باللغة العربية تشتمل على مسائل شخصية، ومسائل فلسفية، ومسائل دينية، انتشرت كذلك بين اليهود انتشارا كبيرا، ولولا ازدحام الناس عليه لمعالجتهم فعاقوه من التفرغ للتأليف لأنتج أكثر مما أنتج. وعلى الجملة، فقد كان علما من أعلام اليهود الذين نشروا الفلسفة الإسلامية في أوربا.
وكان نقل فلسفة ابن رشد وأرسطو سببا في هياج الكنيسة على المشتغلين بالفلسفة، حتى إن الكنيسة حرمت الاشتغال بهذه النظريات الفلسفية في القرن الثالث عشر الميلادي. وهذه الحركة العنيفة بين الكنيسة وأحرار الفكر كانت من الأسباب التي حملت بعض الناس على الخروج على الكنيسة، وسببت في أوربا النهضة الحديثة، وجعلت بعض الفلاسفة كبيكون ينتقد الفلسفة القديمة، وفلسفة أرسطو بوجه خاص، ويدعو إلى عدم الخضوع لأرسطو خضوعا تاما، كما يدعو إلى إنزاله من عرشه، وتحكيم العقل في كل ما يعرض عليه، وعدم الإيمان بشيء مهما كان قائله إلا ما دلت عليه المشاهدة والتجربة. ومن ذلك الحين أخذ العقل البشري يفكر على هذا المنهج الجديد.
وكان من أنصار ابن رشد فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا، فقد كان سندا لمترجمي فلسفي ابن رشد في أوربا، وكان الإمبراطور نفسه يعرف اللغة العربية، تعلمها على عربي في صقلية، وكان في بلاطه حركة نشطة من يهود يشتغلون بترجمة الفلسفة العربية، وخصوصا فلسفة ابن رشد، وفلكيون يشتغلون بالرصد بملابسهم البغدادية، وكان ينصر تعاليهم على الكنيسة، ومع ذلك لم يمنعه هذا من اشتراكه في الحروب الصليبية ضد العرب؛ لأنه كان يرى أن العلم شيء والسياسة شيء. وكره من رجال الدين المسيحي حتى كانوا يلقبونه بالدجال الذي روي عنه أنه سيقاوم الديانة المسيحية. على كل حال ظهر رجال عظام مثل فردريك هذا، ومثل جولتيه، دعوا إلى تحرير العقل من سلطة رجال الكنيسة، وتبعهم غيرهم حتى تم لهم الانتصار ...