7
وقد كان عبد الواحد المراكشي قريب العهد من ابن رشد، ولقد لقي بعض تلاميذه، فروايته عنه أقرب إلى الحقيقة، وقد ذكر أن لغضب الأمير الموحدي على ابن رشد سببين: سبب ظاهر، وسبب باطن. فأما السبب الظاهر وهو أكبر الأسباب فإنه كان يشرح كتاب الحيوان لأرسطو فقال فيه عند ذكر الزرافة، وكيف تتولد، وبأي أرض تنشأ: «وقد رأيتها عند ملك البربر» جاريا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلو الكتاب، من الإطراء والتقريظ، فكان هذا مما أحنقهم عليه، غير أنهم لم يظهروا ذلك، وفي الحق أنها كانت من أبي الوليد بن رشد غفلة، واستمر الأمر على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس، ثم إن قوما ممن يناوئون ابن رشد من أهل قرطبة أخذوا تلك التلاخيص التي كان يكتبها ابن رشد، فوجدوا فيها بخطه حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة، أن الزهرة أحد الآلهة، فسأله السلطان: أخطك هذا؟ فأنكر ابن رشد، فأمر الأمير بإخراجه على حال سيئة، وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم (الفلسفة)، وهذا هو السبب الظاهر ...
ثم لما رجع إلى مراكش جنح ثانية إلى الفلسفة، واستدعى ابن رشد إلى مراكش، وأحسن إليه وعفا عنه، ولم يلبث ابن رشد أن مرض مرضه الذي مات بسببه في آخر سنة 594ه، وقد ناهز الثمانين.
8
ولكن يظهر أن الأمير أبا يوسف هذا كان ينوي غزوة وكان لا بد فيها من تملق العامة، فكان مما تملق به اضطهاده للفيلسوف والفلسفة التي يكرهها العامة، فلما انتصر وانتهت الغزوة، ولم يعد في حاجة إلى تملق العامة، عاد يعطف على الفيلسوف.
وإذا كانت الفلسفة اليونانية تعرضت للمسائل العلمية والاجتماعية، وخصوصا أفلاطون في جمهوريته، فقد تعرض لها ابن رشد أيضا، فنص على كراهيته للاستبداد العسكري، والإقطاعات العسكرية، ورأى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في الطبع، وإنما هو اختلاف في الكم؛ أي: إن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ولكنهن أضعف منهم في الأعمال. والدليل على ذلك مقدرتهن على جميع أعمال الرجال، كالحرب والفلسفة وغيرهما، ولكنهن لا يبلغن فيها مبلغ الرجال. ومن أظرف آرائه أنه يرى في الموسيقى أن يكون مؤلف القطعة الموسيقية رجلا، والموقع أو المغني امرأة. وقد كان ابن رشد يستشهد على صحة قوله بإناث الكلاب، فهي تستطيع أن تحرس الغنم حراسة تامة كحراسة الذكور، وألمح إلى سوء الوضع الذي وضعت فيه المرأة في الشرق من عدم تمكينها لإظهار قواها، كأنها لم تخلق إلا للولادة وإرضاع الأطفال.
وعلى الجملة فقد كان ابن رشد أمينا مخلصا لأرسطو، وإن كان يخرج عليه أحيانا إما لداعي الدين أو لتفكيره الخاص الذي تنتجه بيئته.
وقد كان من تلاميذ ابن رشد بعض اليهود إذ كانوا يستمعون إليه في حلقته، فلما مات ابن رشد نشر هؤلاء اليهود فلسفته، وترجموا أكثرها إلى العبرية، وانتشرت فلسفة ابن رشد في المدارس والجامعات، وعارضها رجال الدين اليهودي والمسيحي، ولما اضطهدوا في الأندلس فروا إلى فرنسا ... وكانوا عددا كبيرا شاركوا في الثقافة الأندلسية مشاركة كبيرة، وكانوا منتشرين قبل الفتح الإسلامي في البلاد بين القوط، واستخدمهم هؤلاء القوط في الوظائف المالية، ولما فتح العرب الأندلس استخدموهم، وكان طبيب عبد الرحمن الثالث يهوديا، اسمه «حسادي بن شبروط»، بل بلغ بعضهم - مثل إسماعيل بن نعزلة
9 - منصب الوزارة في عهد الأمير حبوس في غرناطة، وبعضهم نشر في الأندلس القصص اليهودي بجانب القصص العربي، فلما أخذوا عن ابن رشد فلسفته نشروها في أوربا، فترجموا شروح ابن رشد لأرسطو على اللاتينية، ومن أشهر من فعل ذلك ميخائيل الإسكتلندي سنة 1230، ونشاط اليهود والنصارى في نقل فلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو هي التي فتحت لأوربا الباب أمام الفلسفة اليونانية. وكان من أكبر زعماء اليهود الذي يتثقفوا ثقافة فلسفية موسى بن ميمون، وقد كان معاصرا لابن رشد، وإن كان ابن رشد أسن منه بنحو عشر سنوات، فقد ولد ابن ميمون سنة 1135م بقرطبة، وقد حدث أن كان اليهود في قرطبة قد نشروا نفوذهم ولكن كان كبراؤهم يصانعون المسلمين، فخلف من بعدهم خلف من اليهود لم يصانعوا المسلمين، فسخط المسلمون عليهم، واستثارهم شاعر معروف اسمه أبو إسحاق الإلبيري، فقال في قصيدة: