تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثاني:

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. وفيهما وقف موقفا وسطا في عقيدة القضاء والقدر، وقد رمى في كتابه «تهافت التهافت» الغزالي بأنه سوفسطائي يساير الجماهير، وانتقد كذلك من قبله من ابن سينا والفارابي، ورماهما بالقصور أحيانا، والغموض أحيانا أخرى.

والحق أن حكماء المسلمين انقسموا في هذا الموضوع - الشريعة والفلسفة - إلى ثلاثة أقسام، فأكثر فلاسفة المسلمين كإخوان الصفاء وابن سينا وابن رشد، رأوا أن يوفقوا بين الفلسفة والشريعة، فإذا رأوا نصا في الدين ظاهره لا يناسب النظريات الفلسفية أولوه تأويلا قريبا أو بعيدا، وبعضهم كالغزالي رأى أن ما أتت به الشريعة حق، وما أتت به الفلسفة مما يخالف الشريعة باطل مثل قدم المادة، ونكران بعث الأجساد؛ ولذلك كفرهم في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وقسم ثالث رأى أن النظريات الفلسفية صحيحة وتعاليم الدين صحيحة كذلك، والتوفيق سخافة، وإنما الواجب أن يكون لكل منهما منطقة نفوذ، فالدين مقبول فيما هو من اختصاصه، كالخلق والحياة بعد الموت والثواب والعقاب الفرديين واليوم الآخر ونحو ذلك، ونظريات الفلسفة تقبل في الطبيعيات والكيماويات والمنطق ونحو ذلك، وليس يصح أن يعتدي أحدهما على الآخر، وأشهر من قال بذلك أبو سليمان المنطقي، كما حكاه عنه أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة. ونحن أميل إلى هذا الرأي، فلا حرج أن يدخل المسلم المسجد ليؤدي شعائر الدين كما وردت، ثم يخرج منه إلى المعمل ليختبر فيه المواد الطبيعية، والنظريات العلمية. وهذا ما يفعله فلاسفة النصارى المتدينون.

ومن ظريف ما يتصل بابن رشد وفلسفته أيضا ما حكى محيي الدين بن عربي في الفتوحات قال: «دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع بي، وبلغه ما فتح الله علي في خلوتي، وكان يظهر التعجب مما سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي، ولا طر شاربي، فلما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة وإعظاما، فعانقني وقال لي : نعم؟ فقلت له: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح، فاصفر لونه، وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به إليه».

وقد كان بعض أصحابنا يستبعد هذه الملاقاة لتقدم ابن رشد في التاريخ، ولكن رأينا أن ابن عربي ولد سنة 560ه، أي: قبل وفاة ابن رشد بخمسة وثلاثين عاما، إذ مات ابن رشد حوالي سنة 595ه، فيمكن أن يراه وهو في الخامسة والعشرين أو الثلاثين أو قبل ذلك، خصوصا أنه يقول: إنه قابله قبل أن يبقل وجهه، ويطر شاربه، ولكن الأسئلة والأجوبة غريبة. فما معنى لا؟ وما معنى نعم؟ وكيف يتفاهمان بهذه الرموز؟ وسؤاله الأول، وإجابة محيي الدين بنعم، وفرح ابن رشد بذلك ربما كان يريد أن يسأل: هل الفلسفة والأدلة العقلية والاعتماد على المنطق يوصل إلى الحقيقة؟ وهي نفس الطريقة التي جرى عليها ابن رشد، فلما قال له ابن عربي: نعم، فرح، ولكنه ما لبث أن قال: لا، فانقبض ابن رشد وتغير، ولعل ابن عربي يقال: لا، إيماء إلى أن الطريقة العقلية ليست خير الطرق في معرفة الحقيقة، وإنما خير الطرق عنده هو الرياضة النفسية التي توصل إلى كشف الحقيقة، حتى لكأنها ترى بالعين. وربما دل على ذلك مذهب ابن عربي أن الكشف والفيض الإلهي، يعطيان أكثر مما يعطي النظر.

ومعنى قول ابن عربي: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح أن الطريق النظري والكشفي كل يوصل إلى الحقيقة، ولكن شتان بين ما يعطيه البرهان العقلي، وما يعطيه الكشف، فالبرهان العقلي يعطي الاقتناع، وأما الكشف فكأنما صاحبه يرى بالعين، وشتان ما بينهما، وإشارته إلى أن بين نعم ولا تطير الأرواح معناها فيما يظهر أن بين من ينكر الكشف ويستند إلى الظاهر فقط كالفقهاء، وبين القائلين: بنعم، أي: المؤمنين بالكشف بالصوفية خلافا شديدا أهدرت فيه الأرواح، كما أهدرت روح الحلاج والسهروردي، ويذكرنا هذا بالحكاية التي تروى عن الجدل بين ابن سينا وأبي سعيد بن أبي الخير. غاية الفرق أن هذه القصة رموز خفية، وأما تلك فكلام واضح.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣١٠