تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى ابن رشد تبعا لفلسفة أرسطو أن نفس الإنسان - أي: النفس الناطقة - جوهر مجرد عن المادة، لا هو جسم ولا حال في جسم، وإنما له علاقة ما بالجسم، يدبره ويصرفه، كما يتصرف الملك في المدينة وهو خارج عنها، والنفس الإنسانية قابلة للارتقاء على أربع مراتب أطال في ذكرها، ومعنى رقيها ارتفاع النفس بقواها عن ظلمة الطبيعة بما يكون لها من الاستعداد، وانجذابها نحو العالم الأعلى، فتشرق فيها المعلومات.

وقد جرد ابن رشد نفسه للدفاع عن هذه الآراء والرد على مخالفها، ومن شنع عليها كالغزالي في تهافت الفلاسفة، وتعصب ابن رشد لمنطق أرسطو، واعتقد أنه لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق إلا به، ورقي الإنسان تابع لمقدار معرفته بالمنطق. وقد فضل فلسفة أرسطو على كلام المتكلمين، وقد عد ابن رشد خارجا عن السنن الإسلامي في ثلاثة آراء: (1)

قوله بقدم العالم ونظام العقول الذي شرحناه وصدور كل عقل عما قبله. (2)

ارتباط المسببات بالأسباب على وجه لا يسمح المعجزات. (3)

قوله ببقاء الكليات وحدها، وفناء الجزئيات، وعلى هذا المبدأ فسر المعاد. فالنفس الفردية الجزئية تفنى، وإنما الذي يخلد ويبقى ويجري عليه المعاد، هو النفس الإنسانية الكلية، وتوضيح ذلك أن الفرد إذا مات تحلل جسمه إلى عالم الأجسام، واتصلت نفسه الفردية بالنفس الكلية، وهذا يجعل فهم الثواب والعقاب للأفراد صعبا؛ إذ ليس هناك وجود للنفس الفردية، نعم: إن لابن رشد قولا آخر بوجود النفس الفردية وخلودها، ولكن يظهر أنه ساير فيه الجمهور أكثر من أنه كان يعتقده، فكان له رأي فلسفي لنفسه وللمتفلسفة غير رأيه الذي يجاري فيه الجمهور، ويساعد على فهم النفس الكلية قوله: إن العقل لا يتجزأ على عدد الأفراد، وإنه واحد في سقراط وأفلاطون، وإذ كان لا من حيث العقل؛ لأن العقل لا يتجزأ، وعلى العموم فالذي يبقى بعد الموت على رأيه الأخير، هو الحياة الإنسانية الكلية، لا الحياة الفردية. وعلى هذا يكون من الصعب على رأيه فهم ما جاء به الدين من الحشر والبعث والعقاب.

والذي يفهم من ثنايا كتاباته في هذا الموضوع أنه يرى أن الدين شرع للخاصة والعامة، والفلسفة للخاصة وحدهم. ولما كانت العامة لا يمكن أن يحملهم على الإتيان بالفضائل وتجنب الرذائل، إلا الاعتقاد بالثواب والعقاب والبعث ومسئولية كل فرد في الآخرة عما يصدر عنه من أعمال، كان الدين آتيا بذاك للمصلحة العامة، أما الخاصة من الفلاسفة فيأتون بالفضائل، ويتجنبون الرذائل لذاتها. وقد دلهم البحث الفلسفي على أن الخلود هو للنفس الكلية لا الجزئية.

ومن ظريف ما يروى في هذا الباب ما رواه جمال الدين مؤلف كتاب تاريخ الفلاسفة، وقد كان من تلاميذ ابن رشد، قال: «كنت صديقا حميما لابن يهوذا، ففي ذات يوم قلت له: إذا كانت النفس تحيا بعد مفارقة الجسد، وتبقى قادرة على معرفة الأشياء الخارجية، فعدني وعدا صادقا أنك إذا مت قبلي، تخبرني بما هنالك، وأعدك أني إذا مت قبلك أفعل ذلك، فوعدني بهذا، ثم إنه مات، ومرت بضع سنوات ولم يظهر لي. قال جمال الدين: ولكنني في ليلة رأيته في الحلم، فقلت له: أيها الطبيب، أما وعدتني بأن تأتيني بعد الموت وتطلعني على ما جرى لك؟ فضحك وأدار عني وجهه. فقلت له: لا أتركك حتى تخبرني، فقال: إن العام عاد إلى العام، والخاص داخل في الخاص. ففهمت منه ما يريد أن يقول، وهو أن النفس التي هي جوهر عام، قد عادت إلى الجوهر العام، والجسد الذي هو عنصر خاص قد عاد إلى الأرض التي هي مستقر العنصر الخاص، ثم انتبهت وأنا أعجب بلطف جوابه».

6

وقد عني ابن رشد في فلسفته بالتوفيق بين الدين والفلسفة، فكان يؤول في الدين حتى يتمشى مع الفلسفة، وألف في ذلك كتابين:

الأول:

فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٠٩