وقال في موضع آخر: «إننا نحمد الله كثيرا؛ لأنه قدر الكمال لهذا الرجل ووضعه في درجة لم يبلغها أحد غيره من البشر في جميع الأزمان، وربما كان الباري مشيرا إليه بما قال في كتابه القرآن:
قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ». وقال في موضع آخر: «إن برهان أرسطو لهو الحق المبين». ويمكننا أن نقول عنه: «إن العناية الإلهية أرسلته إلينا لتعليمنا ما يمكن علمه». كل هذا يدل على أنه كان يقدره تقديرا كبيرا؛ ولذلك لم يخرج عنه إلا في القليل النادر، فهو أخلص له من ابن سينا مثلا الذي خالف منطق أرسطو وخطأه، وألف منطق المشرقين حتى إن ابن رشد كان إذا بدا له ما يخالفه فيه يحكي قول أرسطو ويلقي تبعته عليه.
وقد تأثر جدا بطريقة تفسير القرآن والحديث، فكان يذكر أرسطو، ثم يعقبه بالشرح، وقد راعى في هذا طريقة التعليم التي كان يتبعها أهل زمنه، والتي حكاها ابن خلدون في مقدمته من أن المعلمين كانوا يبدءون مع الطلبة الشيء مختصرا، ثم يقرءونه بعد ذلك وسطا، ثم يقرءونه مبسوطا؛ وقد حكى لنا ابن أبي أصيبعة أن ابن رشد شرح أكثر كتب أرسطو من منطق وطبيعة وما بعد الطبيعة ونبات وحيوان وغير ذلك. ومن مظاهر تقديسه لأرسطو أنه كان يرد على ابن سينا والفارابي والغزالي حين يخرجون عليه، ووقف طويلا في الرد على «الشفاء» لابن سينا، «وتهافت الفلاسفة» للغزالي، وأثار مسائل هامة أثارها علماء الكلام في الإسلام، كما أثارتها فلسفة أرسطو. وكان المتكلمون كالمعتزلة والسنية أثاروا مسائل على نحو خاص، ثم أثارها الفلاسفة المسلمون على نحو آخر، والفرق بين منهج المتكلمين ومنهج الفلاسفة أن المتكلمين مؤمنون داعون إلى الإسلام، اخضعوا آراء اليونان ومذاهبهم لحكم الإسلام، أما الفلاسفة فخضعوا هم للفلسفة، ودخلوا في بحث الموضوع مجردا عن أي اعتبار؛ ولذلك لم يعجبهم منهج المتكلمين.
كان أهم ما بحث فيه المتكلمون والفلاسفة وجود الكون: هل هو أزلي أو حادث؟ وكيف نشأ الكون المتعدد عن الإله الواحد؟ وما علاقة الله بالكون؟ ثم البحث بين السبب والمسبب، فعند المتكلمين أن المادة محدثة غير أزلية، والله هو الذي أوجد الأجسام وعوارضها بعد أن لم تكن موجودة، ولا يوصف بالأزلية إلا الله، والله أوجد الكون من العدم البحت، وتكاد تجمع الأديان كلها على هذا الرأي.
وقد انقسم المتكلمون بعد اتفاقهم على هذا إلى قسمين: فالقدرية وهم المعتزلة قالوا: إن الخالق وضع للكون نظاما، وأودع في المخلوقين قوى تصدر عنها آثارها بطريق التوليد والسببية، وقد أوجب على نفسه هذه القوانين مراعاة لصالح البشرية وجعلها لا تتخلف؛ ولذلك لم يطمئنوا إلى المعجزات، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأنها تخالف هذه القوانين، والفرقة الأخرى من المتكلمين ترى أن السبب لا يصدر عن المسبب، وإنما يصدر المسبب عن الله عند وجود السبب، فالأكل لا يوجد الشبع، وإنما الله هو الذي يشبع عند وجود الأكل، والنار لا تحرق ولكن يحرق الله عند وجود النار. وسبب قولهم ذلك: إنكار نسبة الإيجاد إلى شيء غير الله. وقالوا: إن الأسباب لا بد منها في صدور السبب، إلا أن الذي يخلق المسببات ويعطيها الوجود عند استكمالها هو الله تعالى، وليس الله بملزم بها.
وعلى ذلك تفهم المعجزات بسهولة، فلم يحرق إبراهيم مع وجود النار؛ لأن الله لم يخلق الإحراق، وهو الذي يشفي من يشاء، ويمرض من يشاء كما يرى، فيخلق الشيء عند وجود السبب أو لا يخلقه. وعلى الجملة فنفوا أن تكون الأسباب هي الموجبة للمسببات. والفلاسفة يذهبون مذهب المعتزلة من ربط الأسباب بالمسببات، وأن المسبب يصدر عن السبب، وقد قال ابن رشد بوجود واجب الوجود، المنزه عن المادة والماديات، وتبع أرسطو في قوله: بوجود عقول مجردة عن المادة، وهي المسماة بالعقول العشرة، فالعقل الأول جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الله واجب الوجود، وقد صدر عنه الفلك التاسع، ثم عقل آخر هو العقل الثاني، وعن هذا الثاني صدر الفلك الثامن وهكذا. ويسمون العقل العاشر بالعقل الفعال، أو العقل الفياض للكون، وكل عقل يؤثر فيما بعده، وما بعده يؤثر فيما بعده وهكذا. فكل ما يصدر في عالمنا يصدر عن هذه الأفلاك مسلسلا إلى العقل الفعال. والذي حملهم على ذلك قولهم: إن الله واحد من جميع الوجوه، والواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا الواحد، فيلزم ألا يصدر عن الواجب الواحد إلا واحد وهو العقل، وكل عقل يفعل فيما بعده. والأسباب والمسببات وارتباط بعضها ببعض داخلة في علم الله، وهي تصدر عنه على حسب ترتيبها في العلم ... إلخ.