تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هذا الوقت صار ابن رشد من أحب الناس للأمير يوسف، وقد حدثونا أن الأمير هو الذي طلب من ابن رشد شرح فلسفة أرسطو؛ لأنه رآها غامضة. وقد ولاه الأمير قضاء إشبيلية سنة 565ه، وفيها شرح قسما من أقسام فلسفة أرسطو، وهو قسم الحيوان، ثم رأيناه سنة 567ه في قرطبة يشرح شرحه الطويل على أرسطو، وطالما شكا من الوظيفة؛ لأنها تحرمه التفرغ للتأليف. وقد ولي طب الأمير بعد ابن طفيل، وعهد إليه رياسة القضاء في قرطبة، ولئن كان ابن سينا شغلته السياسة عن التفرغ للفلسفة، فابن رشد شغله القضاء وطب الأمير عن ذلك أيضا، ومات الأمير يوسف، وخلفه الأمير يعقوب، فقربه إليه أيضا، ولكن بدأ الوشاة والمنافسون يرمون ابن رشد بأنه زنديق يجحد القرآن، ويعرض بالخلافة، وكتب مرة على كتابه يصف المنصور بأنه أمير البرين، فحرفوها إلى أمير البربر، وقد أعرض الأمير يعقوب عن سماع هذه الوشايات أولا، ولكنه أمام هياج الشعب وحب التقرب إليه تنكر لابن رشد، فاستدعى ابن رشد وامتحنه وأخلى سبيله، وكان الطلبة ينتظرونه، فهنأوه بنجاته وعدم إصغاء الأمير إلى الوشايات فيه، وتقريب الأمير إليه فقال: «والله إن هذا ليس مما يستوجب الهناء، فقد قربني دفعة واحدة أكثر مما كنت أؤمل»، ثم اتهموه بما ذكرنا.

وزاد الأمر سوءا أنه قد شاع عند العامة في وقت من الأوقات حصول أرباح شديدة تهلك الحرث والنسل، وأنها تكون كالرياح التي أرسلت على عاد، فروي عن ابن رشد أنه قال: «والله وجود قوم عاد ما كان حقا، فكيف سبب هلاكهم؟» ولو صحت هذه الجملة عن ابن رشد لكان معناها أنه يعتقد أن عادا وقصته أسطورة، فهاج عليه العوام وقالوا: إنه ينكر القرآن. وزيادة على ذلك أنهم فتشوا في كتبه الفلسفية، وأخذوا منها ما ينافي الدين، فأمر الأمير بمحاكمته. فكان ابن رشد في ذلك صريحا صادقا، فلم يتزلف للأمير، وشهد الجلسة الكبرى لمحاكمته، وكتبوا بأنه مرق من الدين واستوجب ما لعن الله به الضالين، وخالف عقائد المؤمنين، ومع ذلك فلم يحكم فيه الأمير السيف، بل نفاه إلى قرية قريبة من قرطبة، سكانها من اليهود، وأذيع في العامة المنشور التالي:

قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام ... فخلدوا في العالم صحفا ما لها من خلاف، مسودة المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يؤمنون بأن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشيعون في القضية فرقا، ويسيرون فيها شواكل وطرقا ... يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون ... فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب ... فاحذروا - وفقكم الله - هذه الشريعة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان.

ووقع مع ابن رشد في الاتهام أبو جعفر الذهبي وغيره، وتفرق عن ابن رشد تلامذته لما وجدوه يضطهد. وقد روي عن ابن رشد في هذا الموقف أنه قال: «أعظم ما طرأ علي في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة وقد حانت صلاة العصر، فثار علينا بعض سفلة العامة، فأخرجونا منه». ثم إن الأمير عفا عنه، ويظهر أن ذلك كان بعد أن هدأت العامة، ولكن لم يعش بعد العفو طويلا، فتوفي سنة 595ه وله من العمر خمسة وسبعون، وكان قد استدعي إلى مراكش فمات بها، ثم حمل إلى قرطبة ودفن بها، وأصيبت الأندلس بوفاة عبد الملك بن زهر، وابن البيطار، وابن رشد وكلهم علماء عظام في الفلسفة، فأقفرت البلاد منهم، وكان موتهم بعد موت ابن زهر وابن طفيل إنذارا بأفول شمس الفلسفة.

وأهم وظيفة لابن رشد أنه شارح فلسفة أرسطو كلها تقريبا فقد ندبه الأمير الموحدي، وانتدب هو نفسه لشرح كتب أرسطو، وقد وضع على هذه الكتب ثلاثة شروح؛ صغير ومتوسط وكبير، وتخصص لذلك، وكان يعجب بأرسطو إعجابا شديدا، ويعده المثل الأعلى للإنسان، ويشيد بذكره في كل مناسبة، فيقول مثلا في مقدمة كتابه الطبيعيات: «إن مؤلف هذا الكتاب هو أرسطو، وهو أعقل أهل اليونان، وأكثرهم حكمة، وواضع علوم المنطق والطبيعيات وما وراء الطبيعة ومتممها، وقد قلت: إنه واضعها؛ لأن جميع الكتب التي وضعت قبله في هذه العلوم غير جديرة بالذكر بإزاء كتبه، وقلت: إنه متممها؛ لأن جمع الفلاسفة الذين عاشوا منذ ذلك الزمن إلى اليوم، أي: مدة ألف وخمسمائة سنة، لم يستطيعوا زيادة شيء على وضعه، ولا وجدوا خطأ فيه، فلا ريب في أن اجتماع هذا العلم في إنسان واحد أمر غريب عجيب، يوجب تسميته ملكا إلهيا لا بشرا؛ ولذلك كان القدماء يسمونه أرسطو الإلهي».

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٠٧