والضرب الثاني:
أن لها أوصافا في ذاتها، مثل كونها شفافة ونيرة وطاهرة، ومتنزهة عن الكدر وضروب الرجس، ومتحركة بالاستدارة، بعضها على مركز نفسها، وبعضها على مركز غيرها.
والضرب الثالث:
أوصاف لها بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها تشاهده مشاهدة دائمة ولا تعرض عنه وتتشوق إليه، وتتصرف بحكمه، ولا تتحرك إلا بمشيئته».
فجعل «حي بن يقظان» يتشبه بها، ففي الضرب الأول متى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب أو تعلق به نبات آخر يؤذيه أو عطش عطشا يكاد يفسده أزال عنه ذلك الحاجب ... وتعهده بالسقي ما أمكنه، ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه ضبع أو نشب به ناشب أو تعلق به شوك، أو سقط في عينيه أو أذنيه شيء يؤذيه، او مسه ظمأ أو جوع تكفل بإزالة ذلك كله وأطعمه وأسقاه، ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، أو جرف انهار عليه، أزال ذلك كله عنه، وما زال ينعم في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ به الغاية ... إلخ إلخ.
وعلى الجملة فقد كانت قصة غريب لطيفة، فيها المعاني الفلسفية العميقة، والخيالات القصصية اللطيفة، صاغ ذلك كله في عبارة أدبية رفيعة جزلة، قلدها بعض أهل المشرق والمغرب. ولما انطفأ سراجه خلفه ابن رشد، وكانت الفلسفة قد نضجت، ووسائلها قد توفرت، وفلسفة ابن باجة وابن طفيل قد وصلت وهضمت، ووصلت إلى الأندلس أيضا رسائل إخوان الصفاء، وكتب الفارابي وابن سينا الفلسفة، ورد الغزالي على الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة، فأمكن من كل ذلك ظهور ابن رشد كفيلسوف ناضج، يحمل علم الفلسفة في الأندلس، وفيما جاورها من الأمم، ويصبح بحق فيلسوف الأندلس بلا مراء.
ابن رشد
لابن رشد أسرة طيبة تشبه أسرة ابن زهر، من حيث إن الأب الأول كان فقيها، والذي يلاحظ أنه كان من مداخل الفلسفة الفقه لسببين:
الأول:
أن الفقه والاشتغال به والبحث عن استنباط الأحكام يعلم العمق، ودراسة الفلسفة دراسة عميقة.
والثاني:
أن الفلسفة لما كانت مكروهة في الأوساط الشعبية الأندلسية كان الفقه ستارا يتخذه الفلاسفة، حتى لا يرموا بالزندقة.
وعلى الجملة فقد كان الجد الأول هو أبو الوليد محمد بن رشد، كان قاضيا لقرطبة على مذهب الإمام مالك، وتوجد مجموعة من فتاويه في كتاب خطي للآن، وقد سفر للسلطان في المغرب ونجح في سفارته، وكان موضع السفارة نقل ألوف من نصارى الأندلس إلى طرابلس لاتقاء شرهم ، وقد خلف هذا الجد ابنا اسمه أحمد، وهو أبو فيلسوفنا الكبير. وقد ولد ابن رشد الفيلسوف في قرطبة سنة 520ه، وأخذ يتعلم الشريعة من فقه وأصول وكلام، ثم التفت إلى الطب فدرسه ومهر فيه. ويقول ابن أبي أصيبعة: إنه درس الطب والفلسفة على ابن باجة، وسرعان ما انتقل من الطب إلى الفلسفة، ولكن لم يشأ أن يظهر بالفلسفة، حتى لا يتهم في العقيدة، وقد قربه وحماه الخليفة الموحدي، وهو الأمير يوسف الذي خلف عبد المؤمن.
وقد قال ابن رشد: «لما دخلت على أمير المؤمنين وجدت ابن طفيل في مجلسه، فابتدأ يذكر شرف أسرتي وقدم عهدها، وأثنى علي ثناء لا أستحقه. ولما التفت إلي الأمير سألني عن اسمي واسم أبي واسم أسرتي وبادرني بالسؤال: ماذا يعتقد الفلاسفة في الكون؟ أهو قديم أزلي أو محدث، فداخلني الوجل عند هذا السؤال وأخذت ألتمس عذرا لأتخلص من الجواب، فأنكرت أنني اشتغلت بالفلسفة وما كنت عالما أن ابن طفيل اتفق مع أمير المؤمنين على تجربتي، فلما رأى الأمير اضطرابي التفت إلى ابن طفيل، وصار يباحثه في هذا الموضوع، فروى كل ما قاله فيه أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، وأردفها بردود المتكلمين عليها، فاطمأنت نفسي حينئذ، ولكني عجبت مما بدا من الأمير من الذكاء وقوة الذاكرة التي ندر وجودها حتى عند العلماء المنقطعين إلى هذه المسائل، وبعد الفراغ من الكلام جرأني عليه؛ ليرى مبلغ علمي في ذلك الموضوع، فاجترأت وأخذت أتكلم، وعند خروجي من مجلسه منحني مالا وخلعة سنية ودابة للركوب».