3
مع أنه تنسب إليه آراء في الفلك. وقد ألف هذه الرسالة مقتبسا الفكرة والاسم من ابن سينا، وإن كانت قصته أروع، وتأثر فيها بالأفلاطونية الحديثة، بنى فكرته فيها على إنسان وجد منذ طفولته في جزيرة نائية ليس فيها أحد من الناس فأرضعته غزالة، وكان هذا الطفل موهوبا قادرا على التفكير العميق، استطاع بعقله شيئا فشيئا أن يعرف الكون ويشرح جسم الإنسان ويعرف أسراره، وأن يعرف النار وفوائدها، وأخيرا استطاع أن يعرف الله. ولما تقابل مع رجل في الجزيرة كان تدين بشريعة نبي واستطاعا أن يتفاهما، عرض كل ما عنده على الآخر، وتبين أنهما متفقان في الأصول دلالة على أن الدين لا يخالف العقل.
وفي الرسالة لفتات لطيفة، منها: أن الإنسان إذا ارتقى اتصل بالله ورأى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما ذكرنا ذلك في ابن باجة، وقد تقدم في حياته كثيرا بقوة عقله، فاستطاع حتى أن يبدل أوراق الشجر التي كان يلبسها بجلد نسر، واستطاع أن يفهم معنى الموت لما ماتت أمه الغزالة، واهتدى إلى غزل الصوف، وصنع الإبر، والبناء، كما اهتدى إلى صيد الحيوانات وتربية الدواجن، واستنتج من تبخر الماء فكرة الهيولى والصورة، وتحول الصور بعضها إلى بعض، واكتشف أيضا فوائد النار ومضارها، ثم فكر في السماء كما فكر في الأرض.
وهناك مثلا يدل على دقة ملاحظته. قال في اكتشاف النار ما يأتي: «واتفق في بعض الأحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ
4
على سبيل المحاكة، فلما بصر بها رأى منظرا هاله، وخلقا لم يعتده قبل، فوقف يتعجب منها مليا، وما يزال يدنو منها شيئا فشيئا، فرأى ما للنار من الضوء الثاقب، والفعل الغالب، حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه، وأحالته إلى نفسها، فحمله العجب منها، وبما ركب الله في طباعه من الجرأة والقوة على أن يمد يده إليها، فأراد أن يأخذ منها شيئا، فلما باشرها أحرقت يده، فلم يستطع القبض عليها، فاهتدى إلى أن يأخذ قبسا لم تستول النار على جميعه فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه الآخر، فتأتى له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يأوي إليه، وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك، ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش والحطب، ويتعهدها ليلا استحسانا لها وتعجبا منها، وكان يزيد أنسه بها ليلا؛ لأنها كانت تقوم له مقام الشمس في الضياء والدفء، فعظم بها ولوعه واعتقد أنها أفضل الأشياء التي لديه، وكان دائما يراها تتحرك إلى جهة فوق، وتطلب العلو، فغلب على ظنه أنها من جملة الجواهر السماوية التي كان يشاهدها.
وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها فيراها مستولية عليها، إما بسرعة وإما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه. وكان من جملة ما ألقى فيها على سبيل الاختيار لقوتها شيء من أصناف الحيوانات البحرية كان قد ألقاه البحر إلى ساحله، فلما أنضجت ذلك الحيوان، وسطع قتاره،
5
تحركت شهوته، فأكل منه شيئا فاستطابه، فاعتاد ذلك أكل اللحم، فعرف الحيلة في صيد البر والبحر حتى مهر في ذلك».
وبهذه المناسبة تقول: إنه هو والفلاسفة المسلمون والفلاسفة اليونانيون من قبل كانوا يرون أن الأجسام السماوية من نجوم وكواكب، وسماء وأجسام شفافة طاهرة أرقى في الحياة من الإنسان، وأنها في رقيها وسط بين الله والناس؛ وأنها أهل لأن يقتدي بها الإنسان، وأنها طبقات بعضها فوق بعض، وأنها أفلاك عشرة وسموها العقول العشرة، وكل عقل يحكم ما تحته، ويحكم بما فوقه، ثم الفلك الأخير من ناحية الأرض يتحكم فيها وفي شئون أهلها، ومما قاله في ذلك ابن طفيل: «إن التشبه بالأجسام السماوية على ثلاثة أضرب:
فالضرب الأول:
أن لها أوصافا بالإضافة إلى ما تحتها من عالم الكون والفساد، وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات او التبريد بالعرض والإضاءة والتلطيف والتكثيف إلى سائر ما تفعل.