وعلى العكس من ذلك قال علي بن عبد العزيز عنه: «إنه كان في ثقافة الذهن، ولطف الغوص على تلك المعاني الجميلة الشريفة الدقيقة، أعجوبة دهره، ونادرة الفك في زمانه». ويظهر أن الفتح بن خاقان إنما ذمه هذا الذم لأشياء شخصية وقعت بينهما، مع أنه كان قد مدحه قبل ذلك مدحا كبيرا سنرويه في ترجمة الفتح مما يدل على عدم تحري الصدق وقول الحق.
وقد قال ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء: «إنما انتهجت سبل النظر في هذه العلوم - يعني: العلوم الفلسفية - بهذا الحبر - يعني: ابن باجة - وبمالك بن وهيب الإشبيلي، فإنهما كانا متعاصرين، غير أن مالكا لم يقيد عنه إلا قليل نزر، في أول الصناعة الذهنية، وأضرب الرجل - يعني: ابن باجة - عن النظر ظاهرا في هذه العلوم، وعن التكلم فيها لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها، وأقبل على العلوم الشرعية فرأس فيها، وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على نبوغه في هذا الفن. وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليمه شيء مخصوص به اختصاصا تاما، إلا نزعات تستقرأ من قوله في رسالة الوداع».
ويحكي ابن أبي أصيبعة أنه كان من جملة تلاميذ ابن باجة أبو الوليد بن رشد، وقد عدد كتبا لابن باجة من تآليفه الضائعة مثل شرح كتاب «السماع الطبيعي» لأرسطاطاليس، وشرح لبعض كتاب «الآثار العلوية»، وله أيضا شرح لبعض كتاب «الكون» وكتاب «الحيوان والنبات» في اتصال العقل بالإنسان، وكتاب «النفس» وهو تعليق على كتاب الفارابي «في الصناعة الذهنية»، وفصول قليلة في السياسة المدنية ... إلخ. والله أعلم.
بنو زهر
من أشهر فلاسفة الأندلس بنو زهر، وهم سلسلة من العلماء والأطباء ظهروا في الأندلس ستة في نسق، أولهم وهو الجد الأعلى أبو بكر محمد بن مروان بن زهر، وقد اشتهر بالفقه والأدب، ومات سنة 422ه ثم ابنه أبو مروان عبد الملك بن محمد بن زهر، وكما اشتهر أبوه بالفقه والأدب اشتهر هو بالطب، وقد تنقل بين القاهرة والأندلس، واتصل ببلاط أمير دانية واسمه مجاهد، وعين طبيبا خاصا له، ومات عن ثروة كبيرة، قال القاضي صاعد فيه: إنه رحل إلى المشرق، ودخل القيروان ومصر، وتطبب هناك زمنا طويلا ، ثم رجع إلى الأندلس، وله في الطب آراء شاذة.
ثم ابنه أبو العلاء واشتغل أيضا بالطب وأخذه عن أبيه، ورويت له عجائب في تشخيص الأمراض، واتصل بأمراء بني عباد، ثم انضم إلى يوسف بن تاشفين، ثم ابنه أبو مروان بن أبي العلاء، ويسمى عادة بأبي مروان بن زهر، ولد حوالي سنة 485ه، وتعلم الطب على أبيه، وابتكر أشياء كثيرة في الأقرباذين، وقد كان صديقا لابن رشد، ولما ألف ابن رشد كتابه في كليات الطلب أوعز إلى صديقه هذا أن يؤلف كتابا في الجزئيات حتى يكمل بعضهما بعضا. ولأمر خفي اضطهده علي بن يوسف بن تاشفين ثم سجنه، ولعل ذلك كان إرضاء للعوام لما نقموا عليه اشتغاله في الفلسفة. وله كتاب اسمه «الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد»، وكان طبه كثيرا ما يعتمد عليه الطب الأوربي، ومن ابتكاراته وصف للأورام الحيزومية والتغذية الصناعية عن طريق الحلق.
ثم ابنه أبو بكر محمد بن عبد الملك، خلف رسالة في طب العيون، وقد كان طبيبا ليعقوب بن يوسف، فقربه إليه، ثم ابنه أبو محمد عبد الله، وكان طبيبا ماهرا أيضا، واتصل ببلاط الموحدين، وتوفي شابا بالسم كأبيه ولم يكن يلغ خمسة وعشرين عاما.
فهذه الأسرة كما ترى، أسرة برزت في الطب واشتهرت بالفلسفة، ولكن مع الأسف لم نعرف الكثير عن فلسفتهم. ونصل بعد ذلك إلى ابن طفيل.
ابن طفيل
كان طبيبا في دولة الموحدين فاشتغل في بلاطهم، وهو الذي قدم إلى هذا البلاط ابن رشد، وكان ابن طفيل أسن منه، وهو أيضا الذي حبب إلى ابن رشد تلبية رغبة الخليفة في شرح كتب أرسطو، وابن رشد حل محله لما طعن ابن طفيل في السن. وقد مات ابن طفيل سنة 581ه، ولم يعرف له إلا رسالة حي بن يقظان،