تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ترجمت «رسالة الوداع» التي ذكرناها إلى العبرية، وفيها أبان عن العقل الأول، وبحث في الغاية الحقيقية من وجود الإنسان، والغاية من العلم، وهي القرب من الله، والاتصال بالعقل الفعال الذي يفيض منه، وفي هذه الرسالة آراء في اتحاد النفوس أخذها منه ابن رشد، وسماها رسالة الوداع؛ لأن ابن باجة كان على سفر طويل، فكتبها لصديق من أصدقائه ليترك له آراءه إذا قدر أن لا يلتقيا. وفي هذه الرسالة بحث في قيمة المعرفة على نحو ما نراه في كتاب الشفاء لابن سينا.

وقد ولد ابن باجة هذا في سر سرقسطة في آخر القرن الخامس الهجري، في دولة المرابطين. وقد كانت الغلبة في الناس لأهل الحديث المتشددين، أما الفلاسفة فكانوا عرضة للاضطهاد أو القتل، إلا فترات قصيرة كان فيها بعض الأمراء يميل إلى الفلسفة، فيقرب إليه الفلاسفة، وصادف أن كان منهم حاكم سرقسطة فاتخذ ابن باجة جليسا له ووزيرا، وكان ابن باجة على علم واسع بالرياضة والفلك والموسيقى والطب، فاضطهده المتزمتون ورموه بالزندقة والإلحاد، وكان قد وصل إلى الأندلس كتب فلاسفة الشرق، وخاصة الفارابي وابن سينا والغزالي، فانتفع بكتبهم، وكانت فلسفته كما هو الشأن في أول كل شيء فلسفة لا شاملة ولا كاملة، وهو يتفق في آرائه في المنطق والطبيعة وما بعد الطبيعة مع مذهب الفارابي، ويرى أن الهيولى لا يمكن أن توجد مجردة عن الصورة، أما الصورة فيمكن أن تتجرد من الهيولى، والإنسان يتدرج درجات متتالية، حتى يصل إلى ما هو إلهي، ويتدرج من الجزئيات إلى الكليات والإنسان يبلغ الرتبة العليا بتنمية العقل تنمية حرة خالصة من القيود، والفعل الحر الاختياري هو الذي يصدر بعد الفكرة والروية، أي: إنه فعل شعر فاعله بغاية يقصدها منه. فالطفل قد يكسر شيئا لا لغاية، ولكن العاقل يستطيع أن يفعل الفعل لغاية يقصد إليها ... إلخ.

وله قصائد لونت بفلسفته مثل قوله:

يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط

هلا بكيت فراق الروح للبدن

نور تردد في طين إلى أجل

فانحاز عوا وخلى الطين للكفن

يا شد ما افترقا من بعدما اعتلقا

أظنها هدنة كانت على دخن

إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما

فيا لها صفقة تمت على غبن

وهذا القول أشبه «بعينية» ابن سينا في النفس. وقوله:

ما كل من شم نال رائحة

للناس في ذا تباين عجب

قوم لهم فكرة تجول بهم

بين المعاني أولئك النجب

وفرقة في القشور قد وقفوا

وليس يدرون لب ما طلبوا

لا يتعدى امرؤ جبلته

قد قسمت في الطبيعة الرتب

وكانت تفد إليه العلماء من جميع الأقطار. ويقول صاحب المعجب: إنه هو الذي نبه الناس على قدر ابن رشد ولفت إليه الأنظار، ومن ذلك الحين عرفوه، ونبه قدره عندهم.

وقدر رأى أن الإنسان إذا ارتقى بلغ في ارتقائه أن يتصل بالله، وتنكشف له الحقائق، ويشعر من ذلك بلذة أكبر من كل لذة، ويحدث ذلك للإنسان في لحظات تجل، وهي نظرية صرح بها أفلوطين، واعتنقها كثير من النصارى والمسلمين في القرون الوسطى؛ كابن طفيل وابن رشد والغزالي وابن عربي وأمثالهم. وقد جعلها ابن طفيل هي غاية الغايات في رسالته حي بن يقظان، وقال: إنه وصل إلى هذه الدرجة أولا على فترات طويلة ثم على فترات قصيرة.

ويظهر أنه كان عالما بالطب والرياضة والفلسفة، وأن ميزته سعة معارفه أكثر من سعة ابتكاره. وقد رووا أنه وزر حوالي عشرين سنة لأبي بكر بن إبراهيم صهر علي بن يوسف بن تاشفين رئيس المرابطين، كما رووا أنه ذهب آخر حياته إلى فاس حيث وقع فريسة لأعدائه، حتى قالوا: إنه سم حوالي سنة 533ه، وأنه كان ممن دبر هذه المؤامرة عليه الطبيب ابن زهر. وغريب أن يقع فيلسوف فريسة لفيلسوف آخر. وكان أساس اتهامه الإلحاد والخروج عن الدين، وكان يكرهه الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان؛ ولذلك لما ترجم له في هذا الكتاب رماه فيه بكل نقيصة إذ قال: «هو رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، فما يتشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع. الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون منه إلى الله فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترأ على الله اللطيف الخبير، وقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر وزهو، وأقام سوق الموسيقى، وهام بحادي القطار وسقى فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليه كل حين». وكلامه يمثل نظرة عوام الأندلس إلى الفلاسفة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٠٣