تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنوع الثاني: من اشتغلوا بالفلسفة الصرفة على النحو الذي سار عليه أرسطو، وربما عددنا من أولهم بمعنى الكلمة «ابن باجة» وهو بعينه المعروف بابن الصائغ، وقد وصف ابن طفيل الأندلسي حالة الفلسفة في بلده وحالة ابن الصائغ الفيلسوف وصف خبير، فقال: «إن هذا العلم - الفلسفة - أندر من الكبريت الأحمر، ولا سيما في هذا الصقع - يعني: صقع الأندلس - الذي نحن فيه؛ لأنه - أي: هذا العلم - من الغرابة في حد لا يظفر باليسير منه إلا الفرد بعد الفرد، ومن ظفر بشيء منه لم يكلم الناس إلا رمزا، فإن الملة الحنيفية والشريعة المحمدية قد منعت من الخوض فيه وحذرت منه ... ولا تظنن أن أحدا من أهل الأندلس كتب فيه شيئا فيه كفاية، وذلك أن من نشأ بالأندلس من أهل الفطرة الفائقة، قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها، قطعوا أعمارهم بعلوم التعاليم والرياضيات، وبلغوا فيها مبلغا رفيعا، ولم يقدروا على أكثر من ذلك ... ثم خلف من بعدهم خلف زادوا عليهم بشيء من علم المنطق، فنظروا فيه، ولم يفض بهم إلى حقيقة الكمال، فكان فيهم من قال:

برح بي أن علوم الورى

اثنان ما إن فيهما من مزيد

حقيقة يعجز تحصيلها

وباطل تحصيله ما يفيد

ثم خلف من بعدهم خلف آخر أحذق منهم نظرا، وأقرب إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقب ذهنا، ولا أصح نظرا، ولا أصدق رؤية من أبي بكر من الصائغ،

1

غير أنه شغلته الدنيا، حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث خفايا حكمته، وأكثر ما وجد له من التآليف «نوعان: كتب مخرومة من أواخرها، ككتابه في النفس وتدبير المتوحد، وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. وكاملة وهي كتب وجيزة ورسائل مقتبسة».

2

وترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق، ولو اتسع له الوقت مال لتبديلها، فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل، ونحن لم نلق شخصه».

وابن باجة هذا كما يظهر من كلام ابن طفيل من أكبر مفكري عصره، ولكن مع الأسف لم تصلنا أكثر مؤلفاته، على أنه روي أن له كتبا في المنطق لم تتم موجودة في مكتبة الأسكوريال.

ومن أهم ما وصل إلينا من تآليفه رسالة الوداع، وكتاب «تدبير المتوحد»، فأما رسالة الوداع فقد أبان فيها فضل المعرفة وفضل التأمل الفلسفي، وأنهما وحدهما يؤديان بالإنسان إلى معرفة الطبيعة، ويعينانه على تعرف نفسه ويوصلانه إلى العقل الفعال، كما يتعرض فيها للنفس الإنسانية ونهايتها ... إلخ.

وأما كتاب تدبير المتوحد، ومعنى المتوحد «النبتة تنبت من تلقاء نفسها، وتنتحي ناحية وحدها»، فإنه تعرض فيه للمدينة ووصفها على نحو مختصر من جمهورية أفلاطون. وعنده أن المدينة الفاضلة هذه قد خلت من صناعة الطب وصناعة القضاء؛ لأن أهلها لا يمرضون لاغتذائهم بالأغذية الصحيحة، ولعدلهم في تصرفاتهم، فأهلها صحاح الأبدان، عادلو الأحكام، وذكر أنه في هذه المدينة الفاضلة أعطي كل إنسان ما هو مستعد له.

وهو يقسم أعمال الإنسان إلى أعمال اضطرارية كالهوي من فوق، والاحتراق إذا مسته النار، وبعض أعماله يشترك فيها مع النبات، وبعضها يشترك مع الحيوان. وأما الأفعال الإنسانية الخاصة، فهي ما تصدر عنه بإرادته. وقلما يوجد العمل البهيمي إلا ممزوجا بالإنسان، وتوسع في تقسيم الأعمال الإنسانية، حسب التعبيرات الفلسفية المعهودة، ومما يناسب اسم الكتاب «تدبير المتوحد»، أنه نصح بالبعد عن الناس ورأى الخير في أن المتوحد يعيش وحده حتى ولو اضطرته الظروف أن يكون مقيما وسط الجماعة؛ لأن الغاية القصوى للإنسان الكامل هي إعمال العقل والتأمل، وهي لا تأتي إلا بالدرس والفكر، ولا يكون ذلك إلا بالتوحد، ومن رأيه أن هناك عقلا واحدا كليا، اقتبس كل فرد منه قبسة تختلف كبرا وصغرا، وربما كانت هذه الفكرة من الأسس التي بنيت عليها فكرة وحدة الوجود.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٠٢