ولذلك نرى الفلاسفة الأندلسيين الأولين أطباء فقط، مثل: الكرماني، وأبي جعفر أحمد بن خميس، وحمدين بن أبان، أو منجمين مثل: ابن السمينة، ومسلمة بن أحمد المجريطي، والزهراوي وغيرهم. وقد أعانهم على التفلسف عوامل مختلفة:
الأولى:
أنه رحل إلى الأندلس في أول عهدها بعض البغداديين، فعلموا أهل الأندلس ما وصل إليه أهل بغداد في الطب، كالذي روي عن إسحاق بن عمران، وأنه كان بغدادي الأصل، وكان طبيبا مشهورا، إلى كثير غيره، وأنه رحل إلى الأندلس.
والثاني:
أن الحكم كما قدمنا نقل كثيرا من الكتب، ومنها الكتب الفلسفية التي ترجمت عن اليونانية، ولم يظهر كتاب عظيم في الفلسفة إلا وينقل فورا إلى الأندلس؛ كالذي حدثنا ابن أبي أصيبعة من أن الكرماني من أهل قرطبة رحل إلى المشرق، وجلب معه عند عودته إلى الأندلس رسائل إخوان الصفاء.
والثالث:
أن العلاقات كانت تحسن في بعض الأحيان بين خلفاء بني أمية الأندلسيين وبين القسطنطينية، فهؤلاء الأخيرون يهدون إلى خلفاء بني أمية بعض الكتب الفلسفية والأدبية. ومن أظرف ما كتب في ذلك ما ذكره ابن جلجل من أن «كتاب ديسقوريدس» في النبات كان قد ترجم ببغداد أيام المتوكل، ترجمه إسطفن بن باسيل من اليونانية إلى العربية، وصحح الترجمة حنين بن إسحاق. وقد وضع إسطفن للكلمات اليونانية أسماء عربية للنباتات التي يعرف لها اسما عربيا، وما لم يعرفه تركه. وورد هذا الكتاب إلى الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر، وانتفع الناس بالمعروف منه، فلما اتصل عبد الرحمن بأرمانيوس ملك القسطنطينية نحو سنة 338ه أهداه أرمانيوس هدايا عظيمة، منها كتاب ديسقوريدس مصورا، وكان الكتاب مكتوبا بالإغريقي الذي هو اليوناني، كما أهدى إليه كتاب هيروسيس في القصص والتاريخ، وقال له أرمانيوس: «إن ديسقوريدس لا تجتنى إلا برجل يحسن اللسان اليوناني، ويعرف أشخاص تلك الأدوية. وأما كتاب هيروسيس فعندك في بلدك من اللاتينيين من يقرءوه باللسان اللاتيني، وينقله إلى اللسان العربي. فقال عبد الرحمن الناصر: إنه ليس عنده من يقرأ اللسان الإغريقي، وسأل الملك أن يبعث إليه رجلا يتكلم الإغريقية ليعلم عبيدا له. فبعث إليه أرمانيوس راهبا كان يسمى نيقولا، فوصل إلى قرطبة سنة 340ه، فعلمهم ما جهل من أسماء عقاقير ديسقوريدس، وحظي نيقولا الراهب عند عبد الرحمن الناصر، وفسر للناس العقاقير المجهولة، وتتلمذ له كثير من الأطباء».
فهذه العوامل كلها عملت في تكوين طبقة كانت تشتغل بالطب والتنجيم أولا، ثم بمناسبة تغلغلهم في كتب اليونانيين اتصلت الأجيال التي أتت بعد الفلسفة على عمومها، والحق أن أهل الأندلس تلقوا الطب والتنجيم قبولا حسنا، ولكن لم يتلقوا الإلهيات هذا القبول الحسن؛ لميلهم إلى الفقه المتزمت، وتشددهم في التفسير والحديث وما إلى ذلك فقط؛ ولذلك لم يسلم فيلسوف خرج عن الطب والتنجيم إلى الفلسفة من رمي له بالزندقة والكفر والإلحاد، وطلب توقيع العقوبات الشديدة عليه كالإعدام. ويكاد تاريخ الفلاسفة الأندلسيين يكون سلسلة اتهامات من هذا القبيل إلى آخرهم، كالذي حدث لابن باجة وابن رشد، وأخيرا لابن الخطيب.
وقد أخذ الطب والتنجيم يتبلوران إلى فلسفة مدة سنين، حتى ظفرنا بالفلاسفة الحقيقيين، وسنقتصر على ذكر أشهرهم على التتابع.
ويظهر أن الاشتغال بالفلسفة كان منوعا إلى نوعين: نوع أميل إلى التصوف منه إلى الفلسفة البحتة، وهؤلاء اتبعوا من الفلاسفة أفلوطين، وربما عددنا من أوائلهم ابن مسرة، وقد ذكرنا المشتغلين بالتصوف متسلسلين في الحركة الدينية فانظرهم هناك.
ومن هذه المدرسة كان ابن سبعين، وهي تعتمد على الذوق والكشف ومراقبة النفس أكثر مما تعتمد على العقل والمنطق ومقدمات القياس ونتائجه.