تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هؤلاء وأمثالهن علمن بعض نساء الأندلس الغناء والألحان والأدب، فنشأ بعدهن جيل جديد من نساء أهل الأندلس يغنين ويقلن الشعر، كالذي رأينا من ولادة مع ابن زيدون، وكان لولادة هذه صاحبة اسمها «مهجة» القرطبية، اشتهرت بجمالها وأحبتها ولادة، ولازمت تأديبها، وكانت من أخف النساء روحا، ثم وقع بينها وبين ولادة ما يقع بين الفتيات الجميلات عادة، كما اشتهر من النساء الأديبات «اعتماد» جارية المعتمد وقد تقدم ذكرها، وبثينة بنت المعتمد، وحفصة بنت حمدون، و«غاية المنى»، و«نزهون»، والغرناطية وغيرهن، كل أولئك ملأن كتب الأدب شعرا ونكتا وأحداثا استوجبت غزلا كثيرا، وعتابا كثيرا، وملاحاة كثيرة، وعلى الجملة فقد كن سببا في الحياة الأدبية بجانب السبب الآخر، وهو عطاء الأمراء ورغبتهم في المديح والثناء، وكانا هما السببين في الحياة الأدبية في الشرق والغرب على السواء.

وعلى الجملة فنحن إذا نظرنا إلى الحياة الأدبية في الأندلس رأينا خطوطها الرئيسية تشبه تماما الخطوط الرئيسية في المشرق، سواء من حيث الموضوعات الأدبية، أو من حيث الأوزان العروضية أو من حيث البواعث النفسية. ولم يكن شيء يظهر في المشرق حتى يكون له صدى في الأندلس، يؤلف الثعالبي يتيمة الدهر في ترجمة الشعراء ترجمة مسجوعة، فيقلده ابن بسام في الأندلس، ونرى هذا الشاعر الأندلسي كالغزال يقلد أبا نواس، وابن زيدون يقلد البحتري، وابن هانئ يقلد المتنبي، وصاعدا يقلد الجاحظ، وابن الخطيب يقلد ابن العميد، وجواري الأندلس يقلدن جواري المدينة وبغداد وهكذا؛ ولهذا قلنا: إن الخطوط الرئيسية تكاد تكون واحدة في الشرق والأندلس إلا خيوطا ضعيفة قليلة يظهر فيها أثر الأندلس. فإن قلنا: إن الأدب العربي نهر جار، فالأندلس رافد من روافده؛ لا نهر مستقل مواز له. وبعبارة أخرى: فالأندلسيون وسعوا النهر الأصلي، ولم ينشئوا نهرا جديدا.

ولئن دمغ الأدب الجاهلي الأدب المشرقي، فالأدب المشرقي مع الأدب الأندلسي، وكان الظن أن يؤثر الأدب الإسباني والفرنسي أثرا غير تأثير الأدب الفارسي واليوناني في المشرق، ولكن حدث أن تأثر الأندلسيون بالمشرق أكثر من تأثرهم بالإسبانيين لوحدة اللغة وحدة الدين، والخلاصة أن الأندلسيين في أدبهم وسعوا الإنتاج أكثر مما نوعوه، فبدل أن ينتجوا باء بجانب الألف وهو الأدب المشرقي، أنتجوا ألفا أخرى تتشابه مع الأولى في الموضوع والوزن والقافية والسجع ونحو ذلك. وكأنهم كانوا يحسون مركب النقص بالنسبة لأدباء المشرق، فكملوه بمجاراتهم بدعوى التفوق عليهم، ولكنهم لم يتفوقوا، والظاهر أن تيار المشرق كان قويا حتى استحوذ على أدب المغرب، ولم يسمح له بالخروج عنه، وكان شأن الأدب في ذلك شأن الفقه والتصوف واللغة والفلسفة وسائر فروع العلم.

نذكر هذا بعد أن قرأنا كثيرا من آثار الأندلسيين، وقد دخلنا في بحث الموضوع، ونحن نعتقد أننا قادمون على شيء جديد مبتكر، فإذا نحن أمام ثروة كبيرة مقلدة، وقد حدث لنا هذا مرة أخرى عندما دسنا الأدب المصري، وكنا نظن أن المصرية ستتضح في فروع العلوم والآداب، وأن سنكون أمام شخصية تنتج من الأدب أنواعا جديدة غير التي أنتجها العراق، فلم نر بعد الدرس هذا الرأي، اللهم إلا مسحة خفيفة عارضة كالمسحة التي رأيناها في الأندلس، ولعل الزمن يظهر هذا لمن بعدنا أكثر مما ظهر لنا.

| هوامش

الفصل الخامس

| الحركة الفلسفية والعلمية

يظهر أن منشأ الفلسفة في الأندلس كمنشئها في المشرق، فقد نشأت الفلسفة في المشرق من الطب والتنجيم لعناية الخلفاء بهما، إذ كانوا يحتاجون إليهما كثيرا، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم، وبما سيحدث في الكون، وكان من الموظفين الرسميين أطباء ومنجمون، وكان الطب والتنجيم عند اليونان فرعين من فروع الفلسفة، كالطبيعيات والإلهيات، وكذلك كان الشأن في الأندلس. فقد احتاج الخلفاء الأولون إلى أطباء يداوونهم، خصوصا أن الترف وكثرة الأكل أضعفا أجسامهم، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم. والاشتغال بالطب والتنجيم يسلم إلى الفلسفة؛ لأن الطب - كما هو معروف - يحتاج إلى معرفة النباتات وخصائصها، والعقاقير وما إليها، وهو المسمى «بالأقرباذين»، ومتى سار الطبيب في ذلك، احتاج إلى المنطق لمعرفة الأقيسة والاستنتاجات الصحيحة في معالجة الأمراض، ومتى اتصل بذلك، اتصل بجالينوس وأفلاطون وأرسطاطاليس، فاتصل بالفلسفة اليونانية. كذلك من اشتغل بالنجوم اتصل ببطليموس، ورأى نفسه محتاجا إلى رياضة دقيقة، وهندسة عميقة، فاتصل بأقليدس وفيثاغورس، ثم اتصل بأفلاطون وأرسطو كذلك.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٠٠