تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومقدمته كاملة مصقولة. أما تاريخه فمهوش لم يصقل، ولم يسر فيه على القواعد التي وضعها في مقدمته. ويظهر أن الزمن لم يمهله حتى يحقق كل مطالبه. ومن الأمثلة على أسلوبه وتفكيره قوله في الفرق بين البدو والحضر مثلا: «إن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الرحلة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والحرز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، فهم قارون آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزلوا منزلة النساء والولدان ... حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة». «وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم، ولا يتقون فيها بغيرهم، فهم دائما يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل جانب في الطريق، ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا في المجالس، وعلى الرحال وفوق الأقتاب، ويتوجسون للنبآت والهيعات، ويتفردون في الفقر والبيداء، مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقا، والشجاعة سجية، يرجعون إليها متى دعاهم داع، أو استنفرهم صارخ».

نعم: إن المقدمة لها أصول من كتب عربية كسراج الملوك للطرطوشي، وكتب مترجمة عن اليونانية، ولكن إذا قارن الإنسان بينها وبين ما كتب ابن خلدون وجده ابتكر فيها وزاد عليها، وأخرجها مخرجا جديدا - قد يظهر بعض خطئه في نظريات قالها إذا نحن نظرنا إليها على ضوء ما وصل إليه علم الاجتماع الحديث، ولكن من من الناس لا يخطئ، ولا يصحح قوله؟ خصوصا وقد مرت على أقواله أجيال، وكفاه فخرا أنه أدرك في زمانه ما لم يدركوه إلا بعد قرون طويلة، وتعد مقدمته وتاريخه من غير شك تدوينا يكاد يكون تاما للحضارة الإسلامية.

وله كتب أخرى في علم الكلام وفي التصوف ولكنها كلها لا تبلغ مبلغ مقدمته. وعلى الجملة، فابن الخطيب وابن خلدون جمعا في شخصهما ما وصل إليه العلم العربي في الشرق قبلهما، ثم هضماه وعرضاه عرضا وافيا، كل حسب استعداده وميوله، ابن الخطيب في الأدب والتصوف والتاريخ، وابن خلدون في التاريخ والاجتماع، وقل أن يكون هناك علم عربي لم يتعرضا له إجمالا أو تفصيلا، ونكاد نقول: إن العلم والأدب والتاريخ تحجرت بعدهما إلى أن أتت النهضة الحديثة. (4) أثر النساء في الأدب

كان للنساء أثر كبير في الأدب من ناحيتين: (1)

ناحية ما لهن من جمال وفتنة حركا نفوس الأدباء للغزل والنسيب. (2)

أنه كان منهن الأديبات اللاتي ساهمن في الحركة الأدبية بما أنتجن من أدب، وكان هذا هو الشأن في المشرق، فكان كذلك في المغرب، غاية الأمر أن النساء الجميلات الأديبات كن في المشرق فارسيات أو بربريات أو تركيات، وكن في الأندلس إسبانيات أو أوربيات من أسرى الحروب، فكن يسكن قصور الخلفاء والأمراء والأغنياء، ويعلمن الأدب فيخرج منهم أديبات. وأول ما بلغنا من النساء الأديبات ما روي عن جملة من النساء القادمات من المشرق على الأندلس، وذلك أن الخطة التي وضعها الخلفاء الأمويون بالأندلس كانت نقل ما تزين به قصور الخلفاء من أمويين وعباسيين، فرأوا أن قصور الخلفاء تزين بالشعراء واللغويين والفتيات المغنيات، فأوفدوا لإحضار كل ذلك من المشرق، حتى يوجدوا نواة في الأندلس تثمر فيما بعد. فكما استوفدوا أبا علي القالي اللغوي المشهور، وصاعدا وغيرهما، استوفدوا أيضا جواري من المشرق للغناء والأدب، فذهبت إليهم فرقة ممن نشأن في المدينة أو في بغداد، كما تذهب الفرق المصرية اليوم إلى الشام أو العراق، وكان ممن ذهب إلى الأندلس في أول العهد عايدة، وكانت من خريجات المدينة، وكانت جارية سوداء حالكة اللون، وكذلك «فضل» المدنية، وكانت حاذقة في الغناء، وأصلها من جواري إحدى بنات هارون الرشيد، واشتراها عبد الرحمن الداخل، ومنهن «قمر» وكانت أديبة تعرف صوغ الألحان، واشتهرت بالظرف والأدب والجمال، ولا ننسى هنا ذكر الجواري اللائي علمهن زرياب كما أسلفنا من قبل.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٩٩