تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

95

وقال في سنة 444ه: «في هذه السنة زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنية، وكان ابتداؤها أواخر سنة 444ه، فلما كان الآن عظم الشر واطرحت المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين طائفة من الأتراك، فلما اشتد الأمر اجتمع القواد، واتفقوا على الركوب إلى المحال، وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، وأخذوا من الكرخ إنسانا علويا وقتلوه، فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن، فتبعهن العامة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال شديد، وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ فاحترق كثير منها وألحقتها بالأرض.»

وقد اشتهرت الكوفة بالتشيع والبصرة بالتسنن،

96

فقال الجاحظ: إن الكوفة علوية، والبصرة عثمانية، ثم انتشر بعد الجاحظ التشيع في البصرة حتى كان فيها في القرن الخامس ما لا يقل عن ثلاثة عشر مشهدا للعلويين، أما الشام فمن قديم عرفت بالسنية، ويقول النسائي المتوفى سنة 303ه: «دخلت دمشق والمنحرف عن علي - رضي الله عنه - كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب.» يعني كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب، وسئل وهو بدمشق عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل؟! فما زال أهل دمشق يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة فمات بها.

97

وتقسمت البلاد الشيعة والسنية، بل تقسم البلد الواحد التشيع والتسنن: فبلدة نابلس في النصف الثاني من القرن الرابع كان نصفها سنيين ونصفها شيعيين، قال المقدسي المتوفى سنة 375ه: «ونصف نابلس وأكثر عمان شيعة.»

وجزيرة العرب نفسها كذلك، «فمذاهبهم في مكة وتهامة وصنعاء وقرح سنية، وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية، وبقية الحجاز وأهل الري بعمان وهجر وصعدة شيعة»،

98 «ونصف الأهواز شيعة»،

99 «وأهل قم شيعة غالية قد تركوا الجماعات وعطلوا الجامع إلى أن ألزمهم ركن الدولة عمارته ولزومه».

100

وحكى ياقوت أنه ولي عليهم رجل سني متشدد، فبلغه أن أهل «قم» لبغضهم الصحابة لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر أو عمر، فجمع رؤساءهم وقال لهم: إن لم تأتوني برجل منكم اسمه أبو بكر أو عمر لأفعلن بكم ولأصنعن. فاستمهلوه ثلاثة أيام، وفتشوا فلم يجدوا إلا رجلا صعلوكا حافيا عاريا أحول أقبح خلق الله منظرا اسمه أبو بكر؛ لأن أباه كان غريبا استوطنها فسماه بذلك، فجاؤوا به فشتمهم ... إلخ.

101

وهكذا سادت العالم الإسلامي هاتان النزعتان - السنية والشيعة - تتعاديان وتتقاتلان، هذا عدا ما قام به الشيعة من مؤامرات لقلب الدول والاستيلاء عليها، وسياتي الكلام على ذلك في حينه.

وهناك نزاع آخر، وهو النزاع بين المذاهب الفقية قد كان الخلاف أيام أصحاب المذاهب، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، خلافا في الرأي والبرهان؛ غاية التعصب أن يعتقد أن مذهبه حق يحتمل الخطأ، ومذهب غيره خطأ يحتمل الصواب، وقل أن نرى بين أئمة المذاهب عداء حادا إلا قرع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، وازداد بعض الشيء أيام أتباعهم، ولكنه قل أن يتعدى ذلك إلى ضرب أو قتال، فلما انتهى هذا الطور أخذت العصبية تتزايد إلى أن بلغت القتال؛ ففي القرن الثالث والرابع نرى أن الحنابلة من حين لآخر يقومون بالثورات الكبيرة.

من أمثلة ذلك ما رواه ابن الأثير في حوادث سنة 323ه إذ قال: «وفيها عظم أمر الحنابلة «ببغداد» وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء ومشي الرجل مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد.

102

وركب صاحب الشرطة ونادى في جانبي بغداد لا يجتمع من الحنابلة اثنان، ولا يناظرون في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ب «بسم الله الرحمن الرحيم» في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٠