تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأنها والكحل في مرودها

تكحل عينيها ببعض جلدها

وقد تزوج الفرزدق أم مكية الزنجية، وترك ما عنده من النساء من أجلها. وقال فيها:

يا رب خود من بنات الزنج

93

وكثر ذلك في العصر العباسي، فامتلأت بهن القصور وبيوت الأوساط والفقراء؛ فقد كانت الجواري البيض أغلى ثمنا، فكانت ما تكون في بيوت الأغنياء، أما السود فكثيرات ورخيصات.

وقد ذكر ابن بطلان خصائص السود فقال:

الزنجيات مساويهن كثيرة، وكلما زاد سوادهن قبحت صورهن، وتحددت أسنانهن، وقل الانتفاع بهن، وخيفت المضرة منهن، والغالب عليهن سوء الأخلاق، وكثرة الهرب، وليس في خلقهن الغم، والرقص والإيقاع فطرة لهن، وطبع فيهن ... ويقال: لو وقع الزنجي من السماء إلى الأرض ما وقع إلا بالإيقاع. وهم أنقى الناس ثغورا لكثرة الريق، وكثرة الريق لفساد الهضوم؛ وفيهن جلد على الكد، فالزنجي إذا شبع فصب العذاب عليه صبا فإنه لا يتألم له. وليس فيهن متعة لصنانهن وخشونة أجسامهن. أما الحبشيات فالغالب عليهن نعومة الأجسام ولينها وضعفها، يعتادهن السل، ولا يصلحن للغناء ولا للرقص، دقاق لا يوافقهن غير البلاد التي نشأن فيها، وفيهن خيرية، ومياسرة وسلاسة انقياد، يصلحن للائتمان على النفوس ... قصار الأعمار لسوء الهضم.

وكما تقاسمت المملكة الإسلامية العناصر الجنسية المختلفة، كذلك تقاسمتها المذاهب الإسلامية المختلفة والديانات المختلفة، ولنذكر في ذلك كلمة مجملة تصور هذه الحال:

فقد كان الخلفاء سنيين، والأتراك سنيين غالبا، والفرس شيعيين غالبا، والعرب بين سني وشيعي؛ فالفاطميون شيعة، والحمدانيون يغلب عليهم التشيع، فمن آثارهم التي وصلت إلينا درهم لناصر الدولة الحمداني على أحد وجهيه:

لا إله إلا الله

المطيع لله

ناصر الدولة

وعلى الآخر:

محمد

رسول الله

علي ولي الله

ويروي المؤرخون أن سيف الدولة عثر في حلب على قبر للمحسن بن الحسين فبنى عليه ، وكتب على حجره:

عمر هذا المشهد المبارك؛ ابتغاء لوجه الله وقربة إليه على اسم مولانا المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب - الأمير الأجل سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان.

ورووا أن سيف الدولة زوج ابنته ست الناس لأبي تغلب الحمداني، وضرب لهذا الحادث دنانير على أحد وجهيها:

محمد رسول الله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فاطمة الزهراء، الحسن، والحسين، جبريل.

وعلى الآخر:

أمير المؤمنين المطيع لله، الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة، الأميران أبو تغلب، وأبو المكارم.

فهذا يرجح أن دولة الحمدانيين كانت شيعية.

فكانت المملكة الإسلامية مسرحا للعصبيات الجنسية والعصبيات المذهبية. وأوضح الأمثلة لذلك حالة العراق في عهد الدولة البويهية؛ فقد كان مملوءا بالأتراك والديلم، والأولون سنيون، والآخرون فرس شيعيون، والحروب والفتن والمصادرات وكبس البيوت لا تنقطع بينهما. وقد ذهب في سبيل ذلك ضحايا كثيرة من الوزراء والكتاب والعلماء، حتى حكى مسكويه في حوادث سنة 360ه أن بختيار البويهي «رأى لمعالجة هذه الفتن أن يعقد بين رؤساء الأتراك ورؤساء الديلم مصاهرات لتزول العداوات التي نشأت بينهم، فابتدأ بعقد مصاهرة بين المرزبان بن عز الدولة «البويهي»، وبين بختكين «التركي»، وفعل مثل ذلك بجماعة، وأصلح بين الديلم والأتراك، واستحلف كل فريق منهما لصاحبه، فحلفوا جميعا ... فزال الظاهر ولم يزل الباطن».

94

وقال ابن الأثير في حوادث سنة 443ه: «في هذه السنة تجددت الفتنة بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديما؛ وسببها أن أهل الكرخ عملوا أبراجا كتبوا عليها بالذهب: «محمد وعلي خير البشر.» وأنكر السنية ذلك، وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر. وأنكر أهل الكرخ الزيادة؛ فانتدب الخليفة القائم بأمر الله من حقق، فكتبوا بتصديق أهل الكرخ. وحمل الحنابلة العامة على الإغراق في الفتنة، وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا «خير البشر» فقالت السنية: لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه «محمد وعلي»، وألا يؤذن «حي على خير العمل»، وامتنع الشيعة عن ذلك. وقتل رجل هاشمي من السنية، فحمله أهله على نعش وطافوا به في الحربية وباب البصرة وسائر محلة السنية، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثم دفنوه عند أحمد بن حنبل، فلما رجعوا من دفنه قصدوا المشهد فدخلوه، ونهبوا ما فيه من قناديل ومحاريب من ذهب وفضة، فلما كان الغد اجتمعوا وأضرموا حريقا، فاحترق كثير من قبور الأئمة وما يجاورها من قبور بني بويه، وقصد أهل الكرخ الشيعيون إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، وامتدت الفتنة إلى الجانب الشرقي.»

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٩