وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان حتى يكاد يموت؛ فخرج توقيع الخليفة الراضي بما يقرأ على الحنابلة، ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره، [فمما جاء في هذا التوقيع]: تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار الأمة ونسبتكم شيعة آل محمد
صلى الله عليه وسلم
إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب برسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وتأمرون بزيارته وتدعون له معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء؛ فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات وما أغواه! وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهرا يلزمه الوفاء به، لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشديدا، وقتلا وتبديدا، وليستعلمن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم.»
103
وأمثال هذه الحادثة كثير في كتب التاريخ.
ثم الخلاف الشديد بين الحنفية والشافعية، حتى كان يؤول الأمر في بعض الأحيان إلى خراب البلد من جراء هذا الخلاف. يقول «ياقوت» عند الكلام على «أصفهان» بعد أن ذكر مجدها القديم: «وقد فشا فيها الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية، والحروب المتصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في ذلك إل، ولا ذمة؛ ومع ذلك فقل أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها، وكذلك الأمر في رساتيقها وقراها التي كل واحدة منها كالمدينة.»
ويقول عند الكلام على «الري»: كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم؛ لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة، وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفية، ولم يكن فيهم من الشافعية أحد فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظافر عليهم الحنفية والشافعية، وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية؛ هذا مع قلة عدد الشافعية، إلا أن الله نصرهم عليهم. وكان أهل الرستاق - وهم حنفية - يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم، فلم يغنهم ذلك شيئا حتى أفنوهم
104
إلى غير ذلك.
اليهود والنصارى
وربما كانت الدولة الإسلامية في هذا العصر أكثر الأمم تسامحا مع المخالفين لها في الأديان، وخاصة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رغم ما كان يبدو بعض الأحيان من ظلم وعسف كالذي كان في عصر المتوكل، وقد سبق ذكره؛ وربما وقع على المسلمين من هذا الظلم ما وقع على غيرهم.
وقديما كان الامتزاج بين المسلمين واليهود والنصارى حتى في الأسرة الواحدة بما أباح الله للمسلمين أن يتزوجوا بالكتابيات.
ونرى في هذا العصر حركة اليهود والنصارى قد اتسعت عما كانت بسبب كثرة الاتصال التجاري والحربي والعلمي والمسلمون في كثير من مواقفهم يعدلون بينهم ويقربون بضعهم، حتى لقد عفوا عن المال الذي يتركه النصراني من غير وارث وردوه إلى أهل ملته؛ فالخليفة المعتضد «أمر أن يرد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثا على أهل ملته»، استنادا إلى ما أفتى به يوسف بن يعقوب وعبد الحميد بن عبد العزيز القاضيان كانا بمدينة السلام من أن السنة جرت بأن أهل كل ملة يورثون من هو منهم إذا لم يكن له وارث من ذي رحمه.