تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربك يخلق ما يشاء ويختار (القصص: 68). ظهر الهوى طريقا سهلا، فكثر التائهون جهلا.

إذ لم يكن عون من الله للفتى

أتته الرزايا من وجوه الفوائد»

وله كتب كثيرة نحا فيها نحو المتصوفة، فله مثلا كتاب اسمه «المحاضرات»، وهو عبارة عن جمل مختارة من أقوال مشاهير المتصوفة، وله المواعظ الصوفية اللطيفة، ثم له إلى جانب ذلك كتب في الأدب. قال المقري: «إن كتبه الآن في المغرب قبلة أرباب الإنشاء، التي إليها يصلون، وسوق دررهم النفيسة التي يزينون بها صدور طروسهم ويحلون، وخصوصا كتابه «ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب»، فإنه وإن تعددت مجلداته، على فن الإنشاء والكتابة مقصور».

وكما برز ابن الخطيب في النثر، فقد برز في الشعر، فله الشعر الكثير، وله الموشحات اللطيفة، والأزجال الظريفة، وهي لا تقل شأنا عن قيمته في النثر.

فالذي يظهر لنا أن الثقافة الأندلسية من أولها في الأندلس إلى آخرها قد صفيت، وتقطرت في لسان الدين بن الخطيب في تعدد مناحيه، وسعة علمه، وكثرة إنتاجه. ولعل هذا المعنى هو الذي شعر به المقري فألف فيه كتابه «نفح الطيب» وفيه كل ثقافة الأندلس، وسماه باسمه كأنما هو هي. (3-7) ابن خلدون

وقد عددناه من كتاب الأندلس، وإن عاش أكثر حياته في بلاد المغرب وفي مصر؛ لأنه أندلسي الأصل، فهو من إشبيلية، من أصل عربي يمني، وهو إن ولد في تونس، فقد درس على علماء أندلسيين وأقام في الأندلس زمنا، وهو مع ابن الخطيب يتوجان الحركة الثقافية الأندلسية، وهما يمتازان بسعة الاطلاع وكثرة العلم وتنوعه، ولكن ابن خلدون يمتاز بالعمق في التفكير السياسي الاجتماعي، وابن الخطيب يمتاز بأدبه بالمعنى الواسع.

وقد سفر ابن خلدون إلى الملك بدرو في إشبيلية سنة 764ه، فأعجب بدرو بعقله، وطلب منه أن يقيم في بلده في نظير أن يرد عليه أموال أسرته فاعتذر. وكما قلنا من قبل: إنه صحب ابن الخطيب نحو سنتين، ثم تعكر الجو بينهما. وابن خلدون من العلماء القلائل من المسلمين الذين ابتكروا ولم يقلدوا، فهو واضع أساس علم الاجتماع بمقدمته، وإن كان أكمله علماء الإفرنج لا العرب، وقد تعرض لطبائع البشر وأسباب تغيرها، وقيام الدول وأن لها عمرا كعمر الأفراد، كل ذلك في عمق. ومن أبدع نظراته نظرته إلى التاريخ وأنه يجب أن ينبني على تعليل الحوادث، ومعرفة أسرارها ومطابقاتها لقانون السبب والمسبب، ولا يصح أن يبنى التاريخ على مجرد النقل إذا خالف العقل. والمؤرخ محتاج إلى معارف متنوعة وحسن نظر وتثبت تؤدي به إلى الحق، وتنكب به عن المزلات والمغالط.

وفي قسم من المقدمة أرخ العلوم الإسلامية كلها تأريخ خبير عالم، وأسلوبه فيها أسلوب رزين لم يعمد فيه إلى فخفخة السجع الكاذب، ولا إلى الإطناب الممل. فإذا كان عند البلاغيين ثلاثة أنواع؛ إيجاز وإطناب ومساواة، فإن أسلوبه ينطبق على المساواة، فاللفظ بقدر المعنى لا أكثر ولا أقل. وقد تقلب في مناصب سياسية كثيرة من سفارة وقضاء، ويظهر أنه كان حسن الحديث، قوي التأثير في النفوس، فقد رأينا أنه لما سفر إلى بدرو وأعجبه وقربه إليه، ومرة ثانية لما سفر إلى تيمورلنك بدمشق، وتيمورلنك هو القاسي الجبار الفاتك، دخل ابن خلدون في مزاجه، ودعاه إلى أن يقيم معه، فرأى ابن خلدون من الحيلة أن لا يرفض، ولكنه قال: إنه يذهب ليحضر أهله ويعود، فذهب ولم يعد، كما يظهر أنه خبير بنفسية من يخاطبه ولو كان من غير جنسه، فإذا حدثه استلب عقله، وعرف من أين تؤكل الكتف.

ولكن هناك ظاهرة أخرى في حياة ابن خلدون وهي النفور منه، وتنحيته عن المنصب بعد أن يعين فيه، وعداؤه بعد الصداقة. وقد رأينا أن ابن الخطيب عاداه بعد أن صادقه، وأنه تولى مناصب خطيرة في تونس ثم عزل، وولي منصب قاضي القضاة في القاهرة ست مرات، يعزل ثم يولى ثم يعزل ثم يولى. وقد يفسر هذا إما بصلابته في رأيه فليس يلين، وإما بأنه محسد لفضله، فإذا رئي منه كثرة الصلابة في الحق، واعتداده بنفسه، حرض ذلك غيره ممن هم أقل منه على الدس له، والنيل منه كما يظهر أنه صريح، يقول ما يعتقده من الحق، ولم آلم الناس كقوله: إن العرب إذا نزلوا بلدة أسرع إليها الخراب، وإن أكثر العلماء من الموالي لا من العرب ونحو ذلك، كما أنه كان في قضائه يحكم بين الناس بالعدل ولو أغضب في ذلك ملوك زمانه وأمراءه. ولا نبرئه من حدة في المزاج وسرعة في الانفعال، كما لا نبرئه من جمود في العواطف، فقد غرقت زوجته وأولاده في البحر، ثم لا نراه يبكي لذلك، ولا يتحسر عليهم، بكاء أو تحسرا يتناسب مع الفجيعة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٩٨