تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في الوزير: «والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك ... وليكن الوزير معروفا بالإخلاص لدولتك، معقود الرضا والغضب برضاك وصولتك، زاهدا عما في يديك، مؤثرا لكل ما يزلف لديك، بعيد الهمة، راعيا للأذمة، رحيب الصدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثرا للعدل والإصلاح، دريا بحمل السلاح، جادا عند لهوك، متيقظا في حال سهودك ... إلخ».

وقد استقى هذه الأمور كلها من تجاربه، إذ كان وزيرا، وكان مطلعا على التواريخ، وخصوصا تاريخ بلاده، وقال في الإحاطة في ترجمة ابن خلدون إذ كان صديقا له، بعد أن ذكره نسبه: «رجل فاضل، حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصي الزي، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرياسة، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، باع الحظ، حسن العشرة، مبذول المشاركة ... مغفل التحفظ مما يريب، وقع من أجل ذلك في محنة فلم يخشع ولم يتوسل، وأباد المكسوب في سبيل النفقه»

65 ... ولما استقر ابن خلدون في الحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات، وأقطعها الظرف جانبه، وأوضح الأدب مذاهبه ... فمن ذلك ما خاطبته به وقد تسرى - أي: ابن خلدون - جارية رومية اسمها هند صبيحة الابتناء بها، وقد أطال في هذا الكتاب فيما يتخيله من سرور ابن خلدون بالابتناء بها، وقضاء ليلة سعيدة معها بالتفصيل والتصريح، من غير إجمال ولا إيماء. «وقد شرح ابن خلدون البردة شرحا بديعا، دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه، ولخص كثيرا من كتب ابن رشد، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وألف كتابا في الحساب».

ويظهر أنه كتب هذه الترجمة قبل أن يؤلف ابن خلدون كتابه التاريخي الذي اشتهر به ، وقد ذكر ابن خلدون في بعض كتبه «لسان الدين» وأثنى عليه ولكنه قال: «إنه لما كان بالأندلس، وحظي عند السلطان أبي عبد الله، شم من ابن الخطيب رائحة الانقباض، فقوض الرحال، ولم يرض عن الإقامة بحال. ولعبت بكرته صوالجة الأقدار، حتى حل بالقاهرة المعزية، واتخذها خير دار ... إلخ».

ومن نثر ابن الخطيب مثلا قوله في تقلب الأحوال بالعظماء ما رآه من أمرائه أو سمعه عن ابن حزم وأمثاله: «بينما ترى الدست عظيم الزحام، والموكب شديد الالتحام، والوزعة تشير والأبواب يقرعها البشير، والسرور قد شمل الأهل والعشير، والأطراف تلثمها الأشراف، والطاعة يشهرها الاعتراف، والرايات تعقد، والأعطيات تنقد، إذ رأيت الأبواب مهجورة، والدسوت لا مؤملة ولا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فكأنما لم يسمر سامر، ولا نهى ناه ولا أمر آمر، ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، إنما

مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح (الكهف: 45)».

وقال في الحب على طريقة المتصوفة: «المحبة رقة، ثم فكرة مسترقة، ثم ذوق يطير به شوق، ثم وجل لا يبقى معه طوق، ثم لا تحت ولا فوق:

أينما كنت لا أخلف رحلا

من رآني فقد رآني ورحلي

الهوى هوان، وحمام له ألوان، دمع ساجم، ووجد هاجم، وهيام لا يبرح، ثم وراءه ما لا يشرح.

قال: بمن جن؟ وهل في الورى

ما يبعث الخبل سوى حبه؟

من اقتحم بحر الهوى هوى، لا تدخل في بحر الهوى حتى تشاور صبرك، وتجاور قبرك ... الهوى طريق، ولسلوكه فريق، الزاد سر مكتوم، ووفاء معلوم.

وللميادين أبطال لها خلقوا

وللدواوين حساب وكتاب

الحب حج ثان، لا يثني نفس المريد عنه ثان، طريقه التجريد، وزاده الذكر، وطوافه المعرفة، وإفاضته الفناء،

فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم » (البقرة: 198). الغرام صعب المرام، والدخول فيه حرام، ما لم يكن فيه شرط كرام. من عرف ما أخذ، هان عليه ما ترك،

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٩٧