وأخيرا أفتى الفقهاء بقتله، فخنق في سجنه، وألف كتبا كثيرة، وكان صديقا لابن خلدون بعض الوقت، ثم فسد ما بينهما. وتمتاز رسائله بدقة الوصف، وغزارة المعنى، مثال ذلك ما كتبه في استدعاء إمداد، وحض على الجهاد: «أيها الناس، رحمكم الله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو ساحته، ورام الكفر استباحته، ورجفت أحزاب الطواغيت إليهم، ومد الصليب ذراعيه عليهم، وأيديكم بعزة الله أقوى، وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهو دينكم فانصروه، وجواركم القريب فلا تخفروه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه. الجهاد الجهاد فقد تعين، فالجار الجار، فقد قرر الشرع حقه وبين، الله الله في الإسلام، الله الله في أمة محمد - عليه السلام - الله الله في المساجد المعمورة بذكر الله، الله الله في وطن الجهاد في سبيل الله. قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، وقد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه. أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعانكم الله عند الشدائد، جددوا عوائد الخير، يصل الله تعالى لكم جميل العوائد، صلوا رحم الكلمة، واسوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة: كتاب الله بين أيديكم، وألسنة الآيات تناديكم، وسنة رسول الله قائمة فيكم، والله يقول:
يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم .
ماذا يكون جوابكم لنبيكم
وطريق هذا العذر غير ممهد
إن قال: لم فرطتم في أمتي
وتركتموهم للعدو المعتدي
تالله لو أن العقوبة لم تخف
لكفا الحيا من وجه ذاك السيد
اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بث لنا الحمية في البلاد، اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك بأحبائك وأوليائك، يا خير الناصرين» ... إلخ.
ويقول مثلا في ترجمة ابن عبد ربه صاحب العقد: «عالم ساد بالعلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى صار إلى المشرق ذكره ، واستطار شرر الذكاء فكره ... وكانت له عناية بالعمل وثقة، ورواية متسقة، وأما الأدب فهو كان حجته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سماه بالعقد، وحماه عن عثرات النقد؛ لأنه أبرزه مثقف القناة، مرهف الشباة، تقصر عنه ثواقب الألباب، وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر انتهى منتهاه وتجاوز سماك الإحسان وسماه ... إلخ».
وله مقامة في السياسة على نحو مقامات الحريري بناها على أن هارون الرشيد ضاق صدره يوما، فطلب أن يحضر إليه من يعثر عليه، فحشر له بعض القوم، وكان منهم رجل غريب المنظر؛ فسأله الرشيد عن أصله وفنه، فقال: إنه فارسي وفنه الحكمة، فسأله عن السياسة فأبدع فيها حتى انتصف الليل، ثم استدعى عودا وظل يغني عليه حتى أنام الحاضرين كلهم، وخرج فلم يعثر له على خبر.
وقد تعرض في هذه المقامة إلى الرعية والسلطان والوزير والجند والعمال والولد والخدم والحرم، فقال في الرعية: «رعيتك ودائع الله قبلك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطهم إلا بإعانة الله التي وهب لك. وأفضل ما استدعيت به عونه فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم وربيعهم، والترفع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذا يحوط ما لها، ويحفظ عليها كمالها، حتى تستشعر عليتها رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النصب امتنانك، وتحذر سفلتها سنانك ... وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين بالتمشدق والإطالة، وحدد البخل على أهل اليسار، والسخاء على أولي الإعسار».
وقال للسلطان: «واعلم يا أمير المؤمنين سدد الله سهمك لأغراض خلافته، وعصمك من الزمان وآفته، أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل ... فلتكن قدرتك وقفا على الاتصاف بالعدل والإنصاف، واحكم بالسوية، واجنح بتدبيرك إلى حسن الروية، وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعين، أو تستفزك العجلة في أمر لم يتبين، وأطع الحجة ما توجهت إليك، ولا تحفل بها إذا كانت عليك، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحق أجدى من نفرك ... واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته، أو زمن اختلسته، إلا وقد أحرزت فضيلة زائدة، أو وثقت منه في معادك بفائدة ... والمال نعمة الله، فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، وتجمع بالشهوات بين إتلافك وإتلافه».