تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو في هذه الرسالة يذكرنا برسالة التربيع والتدوير التي كتبها الجاحظ في السخرية بأحد كتاب عصره، وهو أحمد بن عبد الوهاب، فهو فيها يهزأ بجسمه وينسب إليه سخرية علم كل شيء، إلا أن رسالة ابن زيدون أدق وأوفى وألذع، وهي تدل على علم واسع بأحداث التاريخ، وقدرة فائقة في التهكم بها على غريمه.

وأما الرسالة الجدية فهي رسالة كتبها وهو في السجن لابن جهور، يعتب ويستعطف ويبرأ مما اتهم به، وأسلوبها أيضا في غاية القوة، يذكرنا بعض معانيها بمعاني علي بن الجهم، وقد سجن هو أيضا فأرسل يستعتب ويتعزى ويعتذر. يقول ابن زيدون فيها: «يا مولاي وسيدي، الذي ودادي له، واعتمادي عليه، واعتدادي به ... ومن أبقاه الله ماضي حد العزم، واري زند الأمل ... إن سلبتني لباس نعمائك، وعطلتني من حلى إيناسك ... ونفضت مني كف حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، فلا غرو، قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وتكون منية المتمني في أمنيته ...

كل المصائب قد تمر على الفتى

وتهون غير شماتة الأعداء

هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين غض به إكليله ... هذا العتب محمود عواقبه، وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع ... وأعود فأقول: ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك، والجهل الذي لم يأت من ورائه حلمك ...

إلا يكن ذنب فعدلك واسع

أو كان لي ذنب ففضلك أوسع

حنانيك، قد بلغ السيل الزبى، ونالني ما حسبي به وكفى، وما أراني إلا أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت، وقال لي نوح: اركب معنا، فقلت: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، وأمرت ببناء الصرح لعلي أطلع إلى إله موسى، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ابتليت به جيوش طالوت، وقدت الفيل لأبرهة ... ونفرت إلى العير ببدر، وانخذلت بثلث الناس يوم أحد ... إلخ.

وعلى الجملة، فرسالتاه سواء الهزلية أو الجدية، تدلان على باع طويل في كتابة النثر، ومقدرة فائقة في تنويع الأساليب، وغزارة المعاني، فإذا أضيفت هذه الموهبة النثرية إلى موهبته الشعرية، عثرنا فيه على أديب بارع في الشعر والنثر، وقل أن يجتمعا في أديب. (3-5) ابن أبي الخصال

لا يفوتنا هنا أن نذكر كلمة عن كاتب كبير من أواخر كتاب الأندلس، وهو ابن أبي الخصال: كان من قرية من قري جيان، وكان يلقب برئيس كتاب الأندلس، وكان صديقا لابن عبدون وابن بسام. قال فيه صاحب المعجب: «هو آخر الكتاب وأحد من انتهى إليه علم الأدب، وله مع ذلك في علم القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب، واليد الطولى». وقد روي لنا أنه ألف كتابا اسمه «سراج الأدب» لم يصل مع الأسف إلينا، وقد روى له القلقشندي في «صبح الأعشى» جملة كثيرة متفرقة من رسائله ومن شعره، من أرادها فلينظرها هناك. (3-6) ابن الخطيب

هو لسان الدين بن الخطيب، وهو وزير مشهور، من أجله ألف المقري الكتاب الكبير «نفح الطيب وغصن الأندلس الرطيب في ترجمة لسان الدين بن الخطيب» في أربعة أجزاء كبار، ذكر فيها الأندلس وما جرى لها من مبتدئها ومنتهاها، ولسان الدين وشيوخه ورسائله ... إلخ. فكان الكتاب نعمة من آثار ابن الخطيب. وقد ولد لسان الدين بمدينة غرناطة في سنة 713ه، وكان أبوه ذا شأن عظيم عند ملوك بني الأحمر، فرباه تربية دقيقة واسعة، علمه الطب والفلسفة والأدب والفقه والتفسير والحديث، فكان عالما أديبا. وقد ألف في ذلك، وقالوا: إنه أصيب بالأرق، فاستعان بالتأليف عليه، وكان واسع بالتاريخ، وألف في علماء غرناطة كتابه «الإحاطة».

64

وله رسائل أدبية وسياسية تتصف بالإطناب والتزام السجع حتى تمل ، وابتلي كما ابتلي غيره من علماء الأندلس بالحسد من خصومه، ودس الدسائس له، حتى اتهم في دينه بالزندقة، وقوله في كتبه أشياء لا يقرها الدين. ولعب في السياسة كثيرا حتى احترق بها، واتخذت الزندقة ذريعة للنيل منه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٩٥