تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويخبرنا عن محبوبة أخرى لم تستجب له، وبقي متسعرا عليها سنين طويلة، ثم برد فجأة حين رأى محبوبته هذه بعد غياب وقد غاض جمالها، وهو يصف غير الحب أيضا النكبات التي نزلت به وبقومه، فقد كان هو وأبوه مواليين للأمويين، فلما جاء المنصور بن أبي عامر وأراد محو آثار الأمويين، اضطهد وأهين وعذب. ويقول في هذه الرسالة: «إننا امتحنا بالاعتقال والتغريب، والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت

62

الفتنة وألقت باعها، وعمت الناس وخصتنا، وأجلينا عن منازلنا، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة، وسكني مدينة المرية، واعتقلنا أشهرا، وأخبرني بعض الواردين من قرطبة أنه رأى دورنا وقد انمحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى، وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، وعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش ... فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما فيها، وتزهد في طلبها، بعد أن طالما زهدت في تركها».

وعلى الجملة فقد ملأ طوق الحمامة بتجاربه في حبه، وأحاديث نفسه، وما اعتراه من فتن، وما أصيب به من محن، وملأه شعرا ونثرا، أما شعره فقد بينا قبل رأينا في قيمته. وأما نثره فقيمته في صراحة معناه وغزارته، لا في ناحيته الفنية، فهو من حيث تأليفه في الحب من أول الناس وأسبقهم إلى قيد منازع الحب. نعم قد سبقه إلى التأليف في ذلك محمد بن داود الظاهري أيضا في كتابه الزهرة، ولكن ابن حزم تفوق عليه فكان كتابه «طوق الحمامة» أبرع وأثمن وأوفى.

ومما يدل على لوعته في الحب وتقديره للوصال قوله: «ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف من الموقع في النفس ما للوصل، لا سيما بعد طول الامتناع، وطول الهجر، حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتنصرم نار الرجاء، وما ازدها النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب ... ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تألق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر، بأحسن من وصل حبيب، فقد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه».

ويؤخذ من كلامه أنه قد مضى عليه زمان أحب فيه حبا عذريا، صوره تصويرا لطيفا، ودل فيه على عاطفة نبيلة رفيعة، حتى لقد يكفيه من محبوبه، شعوره بسلامة الحبيب، وتقبيله أثره، والتراب الذي وطئه.

وروعة ابن حزم في تعدد مناحيه من دين وفقه وأصول وشعر وتأليف في الغرام، وغير ذلك، أكثر من روعته في فن الأدب وحده. (3-4) ابن زيدون

63

لابن زيدون ناحية نثرية بجانب ناحيته الشعرية، ومن أهم نثره رسالتان شهيرتان: إحداهما رسالته الهزلية كتبها يسخر من منافسه في حب ولادة، وهو ابن عبدوس، فهو يؤنبه أحيانا، وينسب إليه سخرية كل حادث عظيم في الدنيا أحيانا، ويقول فيها: «أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب! فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهديا من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصديا من خلتي لما قرعت دونه أنوف أشكالك، مرسلا خليلتك مرتادة، مستعملا عشيقتك قوادة، كاذبا نفسك أنك ستنزل عنها إليه، وتخلف بعدها عليه ... زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية أنت جسمه وهيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال ... حتى خيلت أن يوسف - عليه السلام - حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنطف عثر على فضل ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك ... وأن مالك بن نويرة إنما أردف لك، وعروة بن جعفر إنما رحل إليك ... وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك، وسحبان إنما تكلم بلسانك ... وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك، وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك، والمهلب أوهن شوكة الأزارقة بيدك، وأن أفلاطون أورد على أرسطاطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوى الإصطرلاب بتدبيرك، وصور الكرة على تقديرك» ... إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٩٤