وقد روى ابن بسام في الذخيرة أكثر هذه الرسالة. وقد حشا ابن شهيد رسالته هذه بالملح والتعبيرات اللطيفة، فجنيه مثلا أطلعه على بركة فيه أوز، فيقول في وصفها: «أوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ذر عليها الكافور، أو لبست غلالة من دمقس الحرير ... في ظهرها صفاء، تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتلولب فترى الحسن مستعارا منها، والشكل مأخوذا عنها».
وقد أنطق الجن في هذه الرسالة بكل آرائه في الأدباء والشعراء، وأصدقائه وأعدائه، وآرائه في الأدب وفي السجع، وغير ذلك، فمثلا ينطق الجني بقوله في أعدائه: «عدمت ببلدي فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان ... ويصيح الجني: إنا لله ذهبت العرب بكلامها، ارمهم بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكرا فيهم. وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجيء إليهم». وأحيانا يمدح نفسه فيقول له الجني مثلا: «إن لسجعك موضعا من القلب، ومكانا من النفس، وقد أغرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وطلاوة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غبنه، وقد بلغنا أنك لا تجارى في أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك ... إلخ».
ويظهر من مجموعة ما نقل عنه أنه كان واسع الاطلاع، غزير المعاني والخيال، ولكن إذا نحن قارناه ببديع الزمان وابتكاراته، كان بديع الزمان أخف روحا، وأرشق لفظا ومعنى.
وقد أثرت عن ابن شهيد أقوال في البلاغة والنقد تدل على ذوقه ومنهجه، نسوق هنا بعضا منها: من ذلك أنه يرى أن البلاغة لا تكون إلا إذا وهب الأديب ملكة بيانية، فإن لم يوهبها لم ينفعه نحو ولا صرف ولا بلاغة. وقد جرب ذلك في شابين أحدهما مسلم والآخر يهودي. فالتمرين على الأدب جعل اليهودي أقرب إلى أن يكون أديبا، لما عنده من استعداد. فالمسلم لم يستطع ذلك؛ لأنه ليس له استعداد موهوب. ويقول: إن للخطباء والكتاب شياطين، وإنه صادف في أرض الجن شيطان الجاحظ، وشيطان بديع الزمان، وشيطان عبد الحميد، وهو يعيب على لسان الجني التزام السجع، فالجني يخاطب ابن شهيد بقوله: «إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغرم بالسجع، فكلامك لا نثر ولا نظم». وقد روي عنه أنه خاف في آخر حياته من الموت كثيرا، واستودع إخوانه بقوله:
أستودع الله إخواني وعشرتهم
وكل خرق إلى العلياء سباق ... إلخ.
وأوصى أن يكتب على قبره: «بسم الله الرحمن الرحيم،
قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون (ص: 67، 68)، هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، والبعث حق،
وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (الحج: 7)».
وأما ابن حزم الناثر، فأكبر أثر أدبي له في النثر كتابه «طوق الحمامة» فهو كتاب فذ، ترجم فيه لنفسه، ودون خلجاتها، مما يدل على أنه كان حيي النفس، دقيق الحس، وقد علمنا أن أباه كان وزيرا كبيرا، وأنه هو نفسه كان وزيرا خطيرا، حتى كن هن اللائي علمنه القرآن، فلما شب أحب، ولوعه الحب وذاق ألم الضنى، ودون كل ذلك في كتابه «طوق الحمامة» وشرح لنا فيه حبه أول ما لقي، فقال: «إني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر، فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس، أو على الحسن نفسه، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، ولا تواتيني نفسي على سواها، ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه».
ويذكر لنا أن خلفاء بني مروان كانوا يحبون الشقر من النساء، حتى أتى أغلبهم أشقر أشهل، نزاعا إلى أمه. ويحدثنا عن فاجعة له بحبيبة حلت من قلبه أسمى محل، فظل ابن حزم بعدها يطيب له عيش، ولا يجد عنها سلوى، وقد أثرت في نفسه أبلغ الأثر، حتى ما كاد ينتفع بنفسه بعد، وحتى فاضت قريحته بمقطوعة من أصدق الشعر. ويقول: «إن محبوبته ماتت فأقام بعدها سبعة أشهر لا يتجرد عن ثيابه، ولا تجف له دمعة، مع جمود عينه، وإنه ما سلاها حتى مر عليه خمس عشرة سنة، ولم يطب له عيش بعدها، ولا نسي ذكرها».