ويقول في أول باب الأمثال: «والأمثال وشي الكلام وجوهر اللفظ، وحلي المعاني والتي تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم عمومها، حتى قيل: أسير من مثل، وقال الشاعر:
ما أنت إلا مثل سائر
يعرفه الجاهل والخابر
وقد ضرب الله الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله في كلامه ... إلخ». فهو يذكرنا في ذلك من حيث أسلوبه وغزارة معانيه، واستعماله للمزاوجة أحيانا، والسجع أحيانا بالجاحظ في كل ذلك. (3-2) ابن برد
من أشهر كتاب الأندلس، ويلقب بأبي حفص بن برد، وكان هناك ابنا برد أحدهما يلقب بالأكبر، والثاني بالأصغر، لم يعرف من أخباره - أي: الأصغر - إلا القليل، والذين ترجموا لابن برد الأكبر وصفوه بأنه كاتب بليغ، وأنه غذي بالأدب، وعلا إلى أسمى الرتب، وقد اعتز به حفيده فقال:
من شاء خبري فأنا ابن برد
حد حسامي قطعة من حدي
وأرفع الناس بناء جدي
من نظم الألفاظ نظم العقد
ونقد الكلام حق النقد
وكف بالأقلام أيدي الأسد
وربما كان من أسباب شهرته أنه كان رئيس ديوان الإنشاء للمكتفي، ومن آثاره في هذا المنصب ما قاله فيمن يجب أن يشغل هذه الوظيفة. ومن الأسف أننا لم نعثر على كتاباته الإخوانية، ولا بد أن يكون له منها الكثير، وإنما بقي لنا بعض كتبه الديوانية. ويظهر من أخلاقه أنه كان موظفا مطيعا، يؤمر فيأتمر، ويكتب لأميره المعاني التي يريدها منه؛ كما كان يفعل القاضي الفاضل لصلاح الدين. وقد كتب أخيرا لابن أبي عامر وأولاده، فمن أقواله على لسان المظفر بن أبي عامر: «ومن أعجب العجب، ما يجترئ عليه بعض خدمتنا من نبذ عهودنا، ولا أحسب الذي غرهم بنا، إلا ما وهبه الله لنا من القدرة من الحلم والكظم، وقد كانت سجية غالية، وخليقة لازمة».
وقد روى ابن بسام في كتابه الذخيرة بعض كتبه، وهو الذي وضع العهد الذي تنازل فيه هشام المؤيد لعبد الرحمن بن المنصور عن الملك، ويقول فيه:
بعد اطراح الهوى، والتحري للحق ... لم يجد أحدا أجدر أن يوليه عهده، ويفوض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خيمه، وشرف مرتبته وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ونقاوته، من المأمون الغيب، الناصح الجيب، عبد الرحمن بن منصور.
وقد توفي ابن برد هذا سنة 418ه بعد أن عاش نحو ثمانين سنة.
ونرى من هذا أن كتابته التي وصلت إلينا أشبه بكتابة رؤساء دواوين الإنشاء في مصر، وهم الذين روى القلقشندي أمثلة لهم في صبح الأعشى وغيره. (3-3) ابن شهيد وابن حزم
ذكرنا ابن حزم قبل عالما دينيا
60
وشاعرا وابن شهيد شاعرا،
61
ونذكرهما هنا ناثرين، فابن شهيد كاتب كبير، ويظهر أنه كان من بيت كبير، ولكن منعه صممه عن البقاء في الوزارة. ومن مجموع رسائله نرى أنه كاتب قدير مبتكر، قد رويت له رسائل كثيرة تدل على قدرته الكتابية والخيالية، وله رسائل أشبه بالمقامات، ومن أشهرها رسالة «التوابع والزوابع» وهي رسالة مشهورة، ومعنى التوابع: الجن تصحب الإنسان، كالقرين والقرينة؛ والزوابع: العواصف، وتستعمل الزوبعة أيضا بمعنى رئيس الجن. وسماها بهذا الاسم؛ لأن الرسالة وضعت لبيان آراء ابن شهيد في الكتاب والأدباء والمشكلات الأدبية، على لسان الجن. وأشبه ما يكون بها رسالة الغفران لأبي العلاء.
وقد ظن قوم أن التوابع والزوابع وضعت تقليدا لرسالة الغفران، ورأى بعض الباحثين من المستشرقين أن العكس هو الصحيح، وأن أبا العلاء هو الذي قلد ابن شهيد، ورجح أن التوابع والزوابع ألفت قبل رسالة الغفران بنحو عشرين سنة؛ وذلك لأن ابن شهيد ذكر في رسالته ما يدل على أنه ألفها في عهد المستعين، وهو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وكانت مدة حكم المستعين هذا من سنة 400ه إلى 407ه، كما نعلم أن أبا العلاء ألف رسالة الغفران ردا على ابن القارح. وكان أبو العلاء قد بلغ نحو السبعين، كما تدل عليه فقرة في الرسالة نفسها، فيكون كتب رسالته حوالي سنة 422ه، وعلى هذا تكون رسالة التوابع والزوابع كتبت قبلها بنحو 20 سنة، وقد أخذ أبو العلاء الفكرة وطبقها تطبيقا لطيفا، ونحا بها نحوا يخالف بعض الشيء رسالة ابن شهيد، وإن كان أساس الفكرة عند ابن شهيد، وأبي العلاء، ودانتي واحدا.