كل هذا الذي في المشرق كان مثله في الأندلس، وكان الانتقال من فن إلى فن يكاد يكون متبعا نفس التطور الذي حدث في المشرق، فقد رأينا المكاتبات التي تصدر عن الأمراء الأولين وعن صدور الخلفاء الأمويين تشبه تلك التي كانت تصدر عن الخلفاء الأمويين في المشرق، ثم تحولت بعض الشيء إلى تحليل نفسي، وغزارة معنى كالذي عند ابن المقفع على يد ابن حزم الأندلسي، ثم كان ما يشبه أسلوب الجاحظ عند العلماء الذين رحلوا من المشرق إلى الأندلس، أمثال صاعد بن الحسن البغدادي، فقد كانت كتابته أشبه ما تكون بكتابة الجاحظ من تلاعب بالمعاني وغزارة فيها، من غير التزام سجع، كقوله من رسالة له يستعطف فيها الوزير أبا جعفر ليشفع عند الخليفة للوزير عبد الله بن مسلمة لما نكب: «لما جمع الله طوائف الفضل عليك، وأذلق بك الألسن، وأرهف فيك الخواطر، ورفرف عليك طير الآمال، ونفضت إليك علائق الرجال، لم أجد لابن مسلمة، حين عضه الثقاف، وضاق به الخناق، وانقطع به الرجاء، وكبا به الدهر، ملجأ غيرك. فعطفك على واله نبهه النحس من سنة السعد، وأيقظته الآفات رقدة الغفلة، ورشقته سهام الزمان بصنوف الامتهان، حتى لقب المنية أمنية، وسمى الموت فوتة ... إلخ».
ورأيناهم وقد طلع عليهم بديع الزمان والحريري، وأمثالها يقلدونهم ويجرون على منوالهم، ويصنعون رسائل ومقامات تشبه رسائلهم ومقاماتهم كابن شهيد في التوابع والزوابع. ثم لما بلغتهم صنعة ابن العميد ومدرسته رحبوا بها كل ترحيب؛ لأنها وافقت أذواقهم، حتى التزموها في رسائلهم الخاصة، وكتبهم المؤلفة، فإذا نحن قرأنا لابن بسام في الذخيرة أو لابن حيان في تاريخه، أو في قلائد العقيان ومطمع الأنفس في ملح الأندلس، رأينا سجعا ملتزما قل أن يشذ، ورأيناهم يحتذون حذو «الفيح القسي في الفتح القدسي» للعماد الأصفهاني ونحو ذلك. غاية الأمر أنه كان لهم أنواع من الابتكار سبقوا بها المشرق كما سننبه عند الكلام تفصيلا على بعض الناثرين.
وكثير من الأدباء كان يجمع بين النثر والشعر، وكان عند الأدباء ملكة لطيفة يميزون بها بين الموضوعات التي تصلح للشعر والتي تصلح للنثر، فهم يشعرون حين تهيم عواطفهم، ويحسون أنهم في حاجة إلى تعبير وجداني يغذيها، ويلجئون إلى النثر عندما يكون الموضوع أميل إلى العقل. وشاع عند الأندلسيين الوصف الدقيق لنفوس الكبراء والأمراء، والقواد عند مديحهم، كما نبغوا في المناظرات الخيالية كالمناظرة بين السيف والقلم، والمناظرة بين بلاد الأندلس، كما كاتبوا في الابتهالات ومناسك الحج. وكانوا أحيانا يخلعون على النثر من الأخيلة والسجع ما يجعله أقرب أن يكون شعرا منثورا. وقد امتازوا بالإطناب كما امتاز المشارقة بالإيجاز. وسيظهر كثير من هذه الخصائص عند كلامنا على الكتاب الناثرين تفصيلا. (3-1) ابن عبد ربه
ذكرنا قبل
58
ابن عبد ربه مؤلفا لكتاب كبير في الأدب وهو العقد، وعرضنا لشيء من شعره،
59
وهو أيضا ناثر كبير تتجلى قوته في النثر في فرش الكتب التي قدمها بين يدي أبواب كتابه، فقد تصنع فيها ما شاءت له الصنعة، وجود ما شاء له التجويد، ونراه فيه قد يسجع، ولكن لا يلتزم السجع، فإذا فاته السجع عمد إلى المزواج، فاستغنى به السجع، وهو أشبه ما يكون برجل يلبس طقما خاصا عند المقابلات الرسمية، فلا يترك الكلام على سجيته، وإنما يتعمل له ويتصنع، فمثلا يقول في أول كتاب الياقوتة في العلم والأدب: «قد مضى قولنا في مخاطبة الملوك ومقاماتهم، وما تفننوا فيه من بديع حكمهم، والتزلف إليهم بحسن التواصل، ولطيف المعاني، وبارع منطقهم، واختلاف مذاهبهم. ونحن قائلون بحمد الله في العلم والأدب، فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان، وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية، وهما مادة العقل، وسراج البدن، ونور القلب، وعماد الروح، وقد جعل الله لطيف قدرته، وعظيم سلطانه بعض الأشياء عمدا لبعض، ومتولدا من بعض، فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس، تبعث خواطر الذكر، وخواطر الذكر تنبه روية الفكر، وروية الفكر تثير مكامن الإرادة، والإرادة تحكم أسباب العمل ... والعلم علمان علم حمل، وعلم استعمل. فما حمل منه ضر، وما استعمل منه نفع ... وقليل العلم يستعمله العقل، خير من كثيره يحفظه القلب».