ومثل قصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس وغلبة النصارى على قواعدها، ومطلعها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
وهي أقل من الأولى بلاغة وعظمة، وفيها يطلب من المسلمين أن يسرعوا إلى إنجاد الأندلس التي كادت تسقط. ولكنها كانت صرخة في واد، فلم ينقذ الأندلس أحد كما لم ينقذ فيما بعد فلسطين أحد.
ثم لهم المقطعات اللطيفة في موضوعات طريفة، مثلنا ببعضها فيما سبق.
ومع تعداد كل هذه الميزات لا يزال التقليد عليهم غالبا، وربما كان خير مقياس للتقليد والابتكار، أن أساس التشبيهات عند الشرقيين والأندلسيين يكاد يكون واحدا. غاية الأمر أن الأندلسيين قد يتفوقون في إجادة التشبيه وتزويقه، واللعب فيه، ولكن أساس التشبيه واحد، وهو التشبيه الشرقي. (3) النثر الفني
تطور النثر العربي في الشرق تطورا كبيرا، بحيث يمكننا أن نقسمه إلى خمس مراحل: المرحلة الأولى يمثلها أقوال الخلفاء الأربعة، والخلفاء والأمراء الأمويين، والمرحلة الثانية يمثلها عبد الحميد الكاتب، والثالثة عبد الله بن المقفع، والرابعة الجاحظ، والخامسة ابن العميد، ولكل مرحلة من هذه خصائص. وعلى العموم، فالذوق العربي في مراحله المختلفة يحب في النثر الفني السجع، وخصوصا ما وافق الطبع، فإن لم يكن سجع، فهو يحب المزاوجة، مثل المؤمنين، وعظيم؛ لأن عنده الحاسة الموسيقية نامية، فأذنه تستعيض عن السجع بالمزاوجة، وهذا فاش في كل العصور، ولكن حدث له ما حدث للشعر، فبعد أن كان الشعر الجاهلي مثلا يتزين ببعض أنواع البديع يأتي عفوا، أغرقه أبو تمام ومن بعده في البديع المتصنع، فكذلك النثر بدأ فيه سجع مطبوع، أو مزاوجة مطبوعة من غير التزام، وختمه ابن العميد بالسجع الملتزم، والتكلف المصطنع.
فأما المرحلة الأولى التي يمثلها أقوال الخلفاء والأمراء، ففيها سجع أحيانا من غير تكلف، وأحيانا مزاوجة، وأحيانا استرسال.
ومن خصائص هذا العصر الجمل المتقطعة من غير رابطة يربطها، وإلى ذلك إيجاز تام من غير إشباع للمعنى وتوليد للأفكار، حتى ليصعب عليك إذا سئلت أن تحدد موضوع الكلام، مع جمال في المعنى واللفظ.
وقد نشأ هذا من الطبيعة العربية، تحب الجمال وتأنس به، وتلهج بذكره، ويدل على ذلك غزلهم، والبكاء حتى على أطلالهم، وإلفهم لأوطانهم، ونحو ذلك، فهم يحبون البلاغة ويعتبرونها أقوى ملكة، ويفخرون بها، ويعجبون بفنها. ولأمر كان أهم معجزة للإسلام المعجزة التي تأتي من الناحية الفنية أو من ناحية البلاغة (القرآن)، وقد تأثرت بلاغة هذا العصر به أثرا كبيرا، واحتذوه وزينوا به كلامهم، فنحن نرى أن أسلوب النثر كان أسلوبا يزينه السجع والمزاوجة، ويعتمد على الجمل القصار، وتوضع الجمل في إطار محكم، ويؤتى بالجملة، ثم يوضع لفق لها من جملة تشبهها أو تقاربها. حتى جاء عبد الحميد الكاتب وهو من أصل فارسي، فأطنب في موضوع الكتابة، وفصله وجعل من الكتابة موضوعا يشرحه ويولده، حتى يأتي على آخره، وضع أنماطا للكتابة في الشئون الخاصة بتدبير الملك، ولم يلتزم السجع كذلك، وإن أتى في كتابته عرضا، ونظرته إلى الكتابة تستفاد بوضوح من رسالته إلى الكتاب، وهذا يسلمنا إلى مرحلة ابن المقفع، فقد عني ببسط المعاني وتأكيدها، وتكرير الجمل المتقاربة في معناها، وعني بالتحليل النفسي، والتجارب الأخلاقية، ولم يعن بالسجع إلا ما جاء عفوا، وله فضل كبير في تطويع اللغة للمعاني المستحدثة، والمدنية الواسعة.
وجاء بعد ذلك الجاحظ، فأسهب في الكلام وأطنب، ونوع موضوعات الأدب، وجعل كل شيء يصلح لأن يكون أدبا، من معلمين، وجوار، ولصوص، وحسدة إلى غير ذلك، وكان قلمه طيعا، فوسع معاني الأدب في كل نواحيه، ولولا أنه كان مرحا فكها مستطردا لمل. ثم جاء بعده ابن العميد ومدرسته، فالتزم السجع وأمعن فيه، ولم يخرج عنه، وقصر الجمل لتؤدي مهمة السجع، وملأ كتابته بأنواع البديع، حتى أصبحت كتابته كقطعة من الفن المعماري المملوءة بالتزاويق.