وكان أول من برع بعد «مقدم» و«ابن عبد ربه» في هذا الشعر هو عبادة القزاز، إذ قال:
بدر تم شمس ضحى
غصن نقا مسك شم
ما أتم ما أوضحا
ما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحا
قد عشقا قد حرم
ثم جاءت حلبة في مدة الملثمين فظهرت لهم البدائع، وفرسان حلبتهم الأعمى التطيلي، وله من الموشحات قوله:
كيف السبيل إلى
صبري وفي العالم
أشجان
والركب وسط الفلا
بالخرد النواعم
قد بانوا
وذكروا أن جماعة من الموشحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد قد صنع موشحة وتأنق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد، فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان
سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان
وحواه صدري
مزق الباقون موشحاتهم، ولابن بقي موشحه مطلعها:
أما ترى أحمد
في مجده العالي
لا يلحق
أطلعه المغرب
فأرنا مثله
يا مشرق
ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته، وتنميق كلامه، وتصريح أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا على طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيه إعرابا، واستحدثوا فنا سموه بالزجل ... وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان، وهو إمام الزجالين على الإطلاق، ولقبوه شيخ الصناعة. يقول وقد خرج إلى متنزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم تمثال أسد من رخام يخرج الماء من فيه على صفائح من حجر:
وعريش قد قام على دكان
بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان
في غلظ ساق
وفتح فمو بحال إنسان
به الفواق
وانطلق يجري على الصفاح
وألقى الصياح ... إلخ.
وتبعه بعده كثيرون من الزجالين.
57
وليست الأزجال إلا موشحات تقال بلغة عامية، وإنما أكثرنا من نماذج الموشحات والأزجال لنبين كثرة أشكالها، واختلاف أوزانها.
من كل ما عرضنا من شعر الشعراء الرسميين والوشاحين والزجالين نرى مصداق ما قلنا من أن الشعر الأندلسي جرى مجرى الشعر المشرقي، من مديح وهجاء ونسيب ورثاء ... إلخ، وأنه كما حذا المشرقيون حذو الجاهليين في الموضوعات والأساليب، حذا الأندلسيون حذو المشارقة. غاية الأمر أن شعراء الأندلس اختلفوا فيمن يقلدون من شعراء المشرق، كل حسب مزاجه، فمنهم من يقلد أبا نواس، ومنهم من يقلد المتنبي ونحو ذلك. وكانت القصيدة، سواء عند الأندلسيين والمشارقة على النمط الجاهلي، من بدء بالنسيب، وانتقال منه إلى وصف الشاعر لرحلته، ثم الانتقال إلى المديح، وقد يجعلون في النسيب أيضا أبياتا خمرية، جرى على هذا المنوال شعراء الجاهلية، ثم الشعراء الإسلاميون، ثم الأندلسيون، وكل قصدهم هو استجداء الممدوحين. ويمتاز شاعر عن شاعر، بحسن تخلصه من الرحلة إلى المديح؛ ولذلك اشتهرت في الأندلس النونية في مدح إدريس بن يحيى بن حمود التي مطلعها:
قد بدا لي وضح الصبح المبين
فاسقنيها قبل تكبير الأذين
اسقنيها مزة مشمولة
لبثت في دنها بضع سنين
وظل على هذا المنول إلى أن وصل للمديح فقال:
وكأن الشمس لما أشرقت
فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي
ابن حمود أمير المؤمنين ... إلخ ... إلخ.
وربما كان من الإنصاف لأهل الأندلس أنهم فاقوا شعراء الشرق في وصغ الطبيعة خاصة، وفي الوصف عامة، وربما كان هذا أثرا من جمال بيئتهم الطبيعية. ونلاحظ أيضا أن الأندلسيين قصروا على المشرقيين في الحكم والزهد.
وهناك نوع آخر فاق فيه الأندلسيون المشارقة، وهو البكاء على البلاد، فما سقطت بلدة، أو أشفت على السقوط حتى قالوا فيها شعرا قويا حزينا، وربما كان من خير الأمثلة على ذلك قصيدة ابن عبدون، ومطلعها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة
عن نومة بين ناب الليث والظفر
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة
والسود والبيض مثل البيض والسمر
وقد استطاع أن يذكر فيها مصائب الزمان، ونوائب الحدثان، وكل ما جرى من مصائب للأمراء والأعيان، مما جعلها سجلا تاريخيا للمصائب، وقلده فيها كثيرون، وشرحها ابن بدرون.