على أن الأدب بمعناه الواسع أشمل من ذلك، فمقدمة ابن خلدون أدب، وسراج الملوك للطرطوشي أدب، والموشحات والأزجال أدب، وشعر التصوف أدب، فاقتصارهم في الاختيار على الغزل والمديح ونحوهما باللغة الفصحى جعل كثيرا من الناس يرمون الأدب العربي بالقصور، ولو وسعوا اختيارهم لأبانوا غنى الأدب العربي وتعدد مناحيه.
والواقع أن الأدب الشعبي يحتاج إلى تأريخ كأدب اللغة الفصحى، كيف نشأ وكيف تطور، وله مناح كثيرة تحتاج إلى التأريخ كالفكاهة والأمثال العامية، وكيف نبعت وانتشرت، والأزجال والموشحات وخصائص كل قطر فيها. ومع الأسف لم يؤرخ ذلك تأريخا شاملا من مبدئه إلى منتهاه.
55 (4)
الفرق بين الموشحة والزجل: أن الموشحة باللغة الفصحى إلا قليلا، وأما الزجل فهو باللغة الدارجة. وكان للأندلسيين لغة خاصة هي خليط من اللغة العربية والبربرية والإسبانية، وإن شئت فقل: واللاتينية، والأزجال في أغلب الأحيان متبذلة وخصوصا أزجال ابن قزمان، ليس فيها أي تحفظ أو احتشام، فيها ما يجري بين الماجنين في الملاهي، وفيها فحش مخجل، والغالب أنها كانت لشهرتها وملاءمتها لروح الشعب تقال جماعيا، على العود والطنبور والدف، في الشوارع وفي الأندية الشعبية، وفي دور الملاهي؛ ولأن أزجاله وأزجال غيره على هذه الحال، صعب فهمها، حتى لنرى أحيانا في ابن قزمان بعض عبارات عربية وبعض عبارات إسبانية، فالإسبانية مثل قوله في بعض زجله:
مخشل دشول، وهي مأخوذة من الإسبانية
mijell des sol ، بمعنى: خد كأنه الشمس.
56
على كل حال ابتكر الأندلسيون فن الموشحات والأزجال في أوربا، وهذا يضاف إلى تأثير الأندلسيين في الغرب، وقد دعاهم إلى ذلك ما أحسوا من ثقل القيود في الشعر الفصيح، من أوزان ووحدة قافية وقيود إعراب، فجاءت نوبة هاجوا فيها على هذه الأوضاع كما هاج أبو نواس على بكاء الأطلال، وكما هاج الموحدون على التقليد في الفقه والنحو وغير ذلك.
غاية الأمر أن دعوة كل هؤلاء ضاعت، فعاد أبو نواس يبكي الأطلال كما بكوا، ويشعر الشعر الجاهلي كما شعروا، وعاد النحو إلى تقدير العوامل، وعاد الموحدون إلى اضطهاد الفلاسفة بعد أن قربوهم إليهم. أما الموشحات والأزجال فقد نجحت؛ لأن الناس استجابوا إليها في حماسة، إذ رأوها تعفيهم من القيود، وتحررهم من التزام قافية واحدة، وتسمح لهم باستعمال الكلمات العامية، والتعبيرات العامية الظريفة، وتحررهم من قيود الإعراب؛ ولذلك كانت البدع الشائع. كما امتازت الموشحات والأزجال بأنها تتبع النغمات الموسيقية، لا التفاعيل العروضية؛ ولذلك تجدهم يزيدون كلمات لحفظ الوزن، مثل: يا لللي، ونحو ذلك، وبذلك ربطوا بين الشعر والغناء والرقص، كما هو العادة في نشأة هذه الفنون.
قال ابن سنا الملك في دار الطراز: «ليس للموشحات عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلا الضرب، ولا أوتار إلا الملاوي، وأكثرها مبني على الأرغن»، وتحرروا أيضا من التقيد بستة عشر بحرا، فقالوا من الأوزان ما شاءوا أن يقولوا، فالأذن الموسيقية هي الحكم، لا أبحر الخليل.
قال ابن سنا الملك أيضا في هذا الكتاب: إنه حاول حصر أوزان الموشحات فأخفق، «وكنت أردت أن أقيم للموشحات عروضا يكون دفترا لحسابها، وميزانا لأوتارها، فعز ذلك وأعوز لخروجها عن الحصر، وانفلاتها من الكف».
وتعددت قوافي الموشحة، حتى بلغت العشرات، لما رأوا أن التزام القافية لا يترك وراءه إلا السآمة والملل، كالنغمة الواحدة تكرر مرارا، وخرجوا عن أعاريض الشعر المعروفة، حتى قال ابن بسام صاحب الذخيرة: «إن أكثر الموشحات على غير أعاريض الشعراء، وعلى أشطار، كما أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، وقد أخذ واضع الموشحة اللفظ العامي والعجمي، وسماه المركز، ووضع عليه موشحة دون تضمين ولا أغصان». وامتازت الموشحات والأزجال بالسهولة، وهذه هي التي أكسبتها الحياة، فمن أراد في الموشحة أو الزجل أن يتقعر كان سخيفا، قال ابن حردون: «ما الموشح بالموشح، حتى يكون عاريا على التكلف»، ولم يتورع الخاصة عن الاشتراك في التأليف في الموشحات والأزجال، فرويت لنا موشحات عن الطبيب ابن زهر، والفيلسوف ابن باجة، والوزير الخطير لسان الدين بن الخطيب. ومما قاله ابن خلدون في بحثه: «وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنسيق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنا منه، وسموه بالموشح» ... إلى آخر ما ذكرناه من هذا البحث في صدر الكلام عن الموشحات.