تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الكرى أو خلسة المختلس •••

إذ يقود الدهر أشتات المنى

ينقل الخطو على ما يرسم

زمرا بين فرادى وثنى

مثلما يدعو الوفود الموسم

والحيا قد جلل الروض سني

فثغور الروض عنه تبسم

وروى النعمان عن ماء السما

كيف يروي مالك عن أنس

فكساه الحسن ثوبا معلما

يزدهي عنه بأبهى ملبس

ولأبي بكر الأبيض الوشاح:

ما لذ لي شرب راح

مما أباد القلوبا

على رياض الأقاح

يمشي لنا مستريبا

لولا هضيم الوشاح

يا لحظه رد نوبا

إذا أسا في الصباح

ويا لماه الشنيبا

أو في الأصيل

برد غليل

أضحى يقول:

صب عليل

ما للشمول

لا يستحيل

لطمت خدي

فيه عن عهدي

وللشمال

ولا يزال

هبت فمال

في كل حال

هبت اعتدال

يرجو الوصال

ضمه بردي

وهو في الصد

وقد انتقل فن الموشحات والأزجال من الأندلس إلى سائر البلاد الشرقية، وكل نظمه بلغته لاختلاف اللغات الدارجة في الأمصار، فإن أزجال ابن قزمان وموشحات الأندلس كانت تروى في جميع البلاد. قال ابن سعيد: ورأيت أزجال ابن قزمان مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب، فاشتهر في تونس مثلا مدغليس، فقال في زجله:

ورذاذ دق ينزل

وشعاع الشمس يضرب

فترى الواحد يفضض

وترى الآخر يذهب

والنبات يشرب ويسكر

والغصون ترقص وتطرب

وتريد تيجي إلينا

ثم تستحيي وتهرب

ووضع ابن سنا الملك المصري موشحة أولها:

حبيبي ارفع حجاب النور

عن العذار

ننظر المسك على الكافور

في جلنار

كللي يا سحب تيجان الربا بالحلي

واجعلي سوارها منعطف الجدول

وقال أحد أهل فاس:

المال زينة الدنيا وعز النفوس

يبهي وجوها ليس هي باهيه

فها كل من هو كثير الفلوس

ولوه الكلام والرتبة العاليه

يكبروا من كتر ماله ولو كان صغير

ويصغروا عزيز القوم إذا يفتقر

من ذا ينطبق صدري ومن ذا يغير

وكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر

حتى يلتجي من هو في قومه كبير

لمن لا أصل عندو ولا لو خطر

وعلى أساس الزجل هذا اخترع عامة بغداد فنا من الشعر سموه المواليا، وتبعهم في ذلك أهل مصر والقاهرة. قال:

ناديتها ومشيبي قد طواني طي

جودي علي بقبلة في الهوى يا مي

قالت وقد كوت داخل فؤادي كي:

ما ظن ذا القطن يغشى فم من هو حي

ومنها:

عيني التي كنت أرعاكم بها باتت

ترعى النجوم، وبالتسهيد اقتاتت

وأسهم البين صابتني ولا فاتت

وسلوتي عظم الله أجركم ماتت ... إلخ.

وهنا ملاحظات نذكرها على فن التوشيح والزجل: (1)

أن طبيعة التوشيح والزجل تجعلهما يسمعان أحسن مما يقرآن، وبعبارة أخرى يقومان بالأذن أكثر مما يقومان بالعين؛ وذلك لأنها في كثير من الأحيان يعوض فيها نقص الوزن بمد الحرف أو قصره أو غنته أو نحو ذلك. فهذه كلها تعوض في زيادة حرف أو نقصان حرف، فكانت تسمع خيرا مما تقرأ. (2)

تخضع الموشحات والأزجال لخصائص كل بلدة؛ لأن اللغة العربية الفصحى عامة في جميع الشعوب العربية. أما اللغة الدارجة فخاصة بكل قطر؛ ولذلك نرى أن الشعر الكلاسيكي قل أن يفرق بينه باختلاف الأقطار، أما الموشحات والأزجال فخاضعة لألفاظ كل قطر وأساليبه؛ ولهذا كان من الصعب أن يفهم قطر زجل القطر الآخر أو موشحاته؛ ولهذا أيضا صعب علينا مثلا أن نفهم ديوان ابن قزمان؛ لأن اللغة الأندلسية الدارجة تختلف عن اللغة المصرية الدارجة. (3)

أخطأ المؤلفون الأرستقراطيون في احتقار الموشحات والأزجال؛ لأنها شعبية، واعتذر المقري عن إيراد بعض ذلك في كتبه، فقال في كتابه «أزهار الرياض»: «كأن بمنتقد ليس له خير، يسدد سهام الاعتراض ويتولى كبره، ويقول: ما لنا وإدخال الهزل في معرض الجد الصراح، وما الذي أحوجنا إلى ذكر هذا المنحى، والأليق كرحه كل الاطراح؟» وأجاب عن ذلك بأنه من باب ترويح القلب، والعون على الجد، واستشهد بقول القائل:

قل للأحبة والحديث شجون:

ما ضر أن شاب الوقار مجون

مع أنا نلاحظ أن الموشحات والأزجال فيها من البلاغة والاستعارات والمجازات ما لا يقل عما في اللغة الفصحى، وليست كلها هزلا ومجونا، بل قد يكون فيها جد ووعظ ودعوة إلى أخلاق عالية، عدا ما فيها من بلاغة. فنحن لا ننقد المقري ولا ابن خلدون وأمثالهما بروايتهم هذا الضرب من الأدب، بل ننقد غيرهم لعدم روايته، والسكوت عنه، فإذا كان للأرستقراطيين متعة في الأدب الأرستقراطي، فللشعب حق في أن يستمتع بأزجاله وموشحاته. ومؤرخ الأدب لا يصح أن يغفل هذا الضرب منه؛ لأن فيه خيرا كثيرا. وقد اقتصر جامعو المختارات على الفنون الجميلة كأنها وحدها هي الأدب.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٨٧