تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحير في جناه فليس يدري

أيجني الورد أم يجني الأقاحا

ويقول آخر في مشهد حب:

يا حسنه والحسن بعض صفاته

والسحر مقصور على حركاته

بدر لو ان البدر قيل له: اقترح

أملا، لقال: أكون من هالاته

وإذا هلال الأفق قابل شخصه

أبصرته كالشكل في مرآته

والخال ينقط في صحيفة خذه

ما خط فيها الصدغ من نوناته

صاحبته والليل يدني تحته

نارين من نفسي ومن وجناته

وضممته ضم البخيل لماله

أحنو عليه من جميع جهاته

أو ثقته في ساعدي؛ لأنه

ظبي أخاف عليه من فلتاته

وأبى عفافي أن أقبل ثغره

والقلب مطوي على جمراته

فاعجب لملتهب الجوانح غلة

يشكو الظما والماء في لهواته

وقال آخر في وصف الحبيب:

وضعت في الزجاج فالتهبت

وكسته ثوبا من اللهب

وعلا فوقها الحباب فلم

تبصر العين مثل ذا العجب

ضرم النار فوقه برد

كائن عنه منه في النسم

وقال آخر في وصف زورق:

وسابح بان لا تثنى قوائمه

كالصقر ينحط مذعورا لثعبان

كأنه مقلة للجو شاخصة

ومن مجاذيفه أهداب أجفان ... إلخ.

فكان غير الشعراء الرسميين يتظرفون بذكر ما يعرض من مناظر، وفي مجالس الأنس وفي الغزل، لا في المديح وأمثاله، مما تركوه للشعراء الرسميين. وهذا الذي فعله غير الرسميين أقرب إلى معنى الشعر. وعلى العموم فهو يكمل الصورة التي للشعر الأندلسي. (2) الموشحات والأزجال

بقي الشعر في الأندلس مقلدا للشعر الكلاسيكي في الشرق، ثم سبق الأندلس إلى نوع طريف من الشعر الشعبي، هو الموشحات والأزجال، لا يقصدون منهما إلى المثقفين وحدهم، بل يقصدون بهما الشعب كله، عالمه وعاميه، ولا يزال البحث مستمرا في علة ذلك، وسبب ظهوره، وهل كان اختراعه عربيا بحتا، أو متأثرا بآداب أخرى مجاورة. على كل حال تمتاز الموشحات بطابع مخصوص من الأوزان والتقاطيع، غير الأنواع المألوفة في الشعر القديم.

وقد عقد ابن خلود فصلا دقيقا في مقدمته في الشعر، تعرض فيه للموشحات والأزجال، ملخص ما قاله: إنهم في الموشحات «ينظمونها أسماطا أسماطا، وأغصانا أغصانا، ينسبون فيها ويمدحون، كما يفعل في القصائد، وقد استظرفها الناس وجملة الخاصة والكافة، لسهولة تناولها، وقرب طريقها، وكان المخترع لها في جزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري، من شعراء الأمير عبد الله بن محمد، وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربه صاحب العقد، ثم برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز، شاعر المعتصم بن صماح، ثم جاءت الحلبة التي كانت في أيام الملثمين «المرابطين» فظهرت لهم البدائع».

ولنذكر بعض الأمثلة من هذه الموشحات:

موشحة منسوبة لابن زهر:

أيها الساقي إليك المشتكى

قد دعوناك وإن لم تسمع

ونديم همت في غرته

ويشرب الراح من راحته

كلما استيقظ من سكرته

جذب الزق إليه واتكا

وسقاني أربعا في أربع

ما لعيني عشيت بالنظر

أنكرت بعدك ضوء القمر

فإذا ما شئت فاسمع خبري

عشيت عيناي من طول البكا

وبكى بعضي على بعضي معي

غصن بان مال من حيث التوى

بات من يهواه من فرط الجوى

خفق الأحشاء موهون القوى

كلما فكر في البين بكى

ويحه يبكي لما لم يقع

ليس لي صبر ولا لي جلد

يا لقومي عذلوا واجتهدوا

أنكروا دعواي مما أجد

مثل حالي حقه أن يشتكي

كمد اليأس وذل الطمع

كبد حرى ودمع يكف

يذرف الدمع ولا ينذرف

أيها المعرض عما أصف

قد نما حبي بقلبي وزكا

لا تخل في الحب أني مدعي

ولابن سهل الإسرائيلي الأندلسي:

هل درى ظبي الحما أن قد حمي

قلب صب حله من مكنس

فهو في حر وخفق مثلما

لعبت ريح الصبا بالقبس

يا بدورا أشرقت يوم النوى

غررا تسلك بي نهج الغرر

ما لنفسي في الهوى ذنب سوى

منكم الحسنى ومن عيني النظر

أجتني اللذات مكلوم الجوى

والتداني من حبيبي بالفكر

كلمات أشكوه وجدي بسما

كالربا بالعارض المنبجس

إذ يقيم القطر فيها مأتما

وهي من بهجتها في عرس ... إلخ.

وقال لسان الدين بن الخطيب :

جادك الغيث إذا الغيث همى

يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٨٦