أنزهه أن أذكر الجيد والثغرا
وما أنا من يستحمل
52
الريح سره
أغار حفاظا أن أذيع له سرا
إذا فئة العذال جاءت بسحرها
ففي وجه موسى آية تبطل السحر
وقال فيه موشحات أيضا ربما تذكر بعضها بعد، وقد مات غريقا سنة 649ه قبل سقوط الأندلس بقليل، وشعره يدل على أن الأندلس انهارت سياسيا بتفرق أهلها وأمرائها، ولكن لم تسقط أدبيا. (1-8) ابن قزمان
هو شاعر من نوع آخر. لئن كان الذين سبقوا شعروا لخلفاء وأمراء ووزراء وعلماء، أو شعروا لأنفسهم من غزل ونسيب ونحو ذلك فابن قزمان شعر للشعب، وقد رأى أن يطرب الناس بالزجل والموشحات، فقال في ذلك شعرا، وجال به في الآفاق، فنراه في إشبيلية وقرطبة وبلنسية وغير ذلك من البلاد، ويظهر أنه كان من صميم الشعب، وإن كان بعض المترجمين لقبه بالوزير، فيظهر أن أكثر من واحد لقب بابن قزمان. وإذ كان ديوانه باللهجة الشعبية، ولهجة الأندلس تخالف بقية اللهجات، كان فهم ديوانه عسيرا. يضاف إلى ذلك أن الأزجال والموشحات وأدب الشعب على العموم ليس كالأدب الكلاسيكي، وديوانه طرفة من الطرف الشعبية، لولا أن لغته الدارجة صعبة الفهم علينا؛ لأن فيها تعبيرات أندلسية تخالف ما لنا، وهذا عيب اللغة الدارجة، فلئن كانت اللغة الفصحى قدرا شائعا بين المتكلمين باللغة العربية في جميع الأقطار، فاللغة الدارجة لهجة محلية قل أن يفهمها إلا أهلها. وهذا الديوان يخرج عن حد الوقار كديوان ابن حجاج وابن سكرة، يشيع فيه الفحش والعبث ولا يخضع لأي نوع من أنواع المنطق، ولما استحسنها الشعب لانسجامها مع ذوقه شاعت بينهم ، وترفعت عنه الفئة المهذبة المثقفة.
والأدب الشعبي يسمع أحسن مما يقرأ؛ لذلك صعبت قطع كثيرة في ديوانه عن أن تفهم. وقد عني بعض المستشرقين بشعره كثيرا؛ لأن شعره أكثر دلالة على حالات الشعب من الشعر الكلاسيكي. والغالب أنه كتب باللغة القرطبية وهو مجال دراسة طويلة لمن يريد أن يدرس الزجل والموشحات، وتدل أشعاره على فقره وتعبه في الحياة، ومجاهدته في تحصيل العيش، ولا يزال ديوانه المنشور موضع دراسات كثيرة من نواح مختلفة مع التصحيح والتعليق، وعلى يده تقدم الزجل والموشحات، ويظهر من ديوانه أنه مثقف ثقافة أدبية، فهو يذكر أسماء كثيرة من الشعراء وهو يذكرنا بزجالي مصر الأدباء، أمثال النجار، والقوصي.
ومن قوله:
يملك الفارس رمحا بيد
وأنا أمسك فيها قصبه
فكلانا بطل في حربه
إن الأقلام رماح الكتبه
وطلب منه صديق أن يدعوه إلى مجلس مؤانسة فقال:
أتى من المجد أمر لا مرد له
نمشي على الرأس فيه لا على قدم
رقز
53
ورقص وما أحببت من ملح
عندي وأكثر ما تدريه من شيمي
حتى يكون كلام الحاضرين بها
عند الصباح وما بالعهد من قدم «يا ليلة السفح هلا عدت ثانية
سقى زمانك هطال من الديم»
54
ويقول:
لا تطمئن إلى أحد
واحذر وشمر واستعد
فالكل كلب مؤسد
إلا إذا وجدوا أسد
وهو عادة يخلط المديح بالغزل، بالطلب، بالفكاهة، وهكذا. وسنأتي أمثلة من زجله وموشحاته عند الكلام على الزجل والموشحات.
هذا الذي ذكرنا يمثل إلا شعر الشعراء الذي تخصصوا للشعر، مع أن جزءا كبيرا من الشعر صدر عن جماعة غير متخصصين له، لا بد أن نضيف نموذجا منه، فمثلا يقول أحدهم في ساقية:
لله دولاب يفيض بسلسل
في جنة قد أينعت أفنانا
أضحت تطارحه الحمائم شجوها
فيجيبها ويرجع الألحانا
وكأنه دنف أطاف بمعهد
يبكي ويسأل فيه عمن بانا
ضاقت مجاري جفنه عن دمعه
فتفتقت أضلاعه أجفانا
ويقول آخر في زجاجة سوداء:
سأشكو إلى الندمان أمر زجاجة
تردت بثوب حالك اللون أسحم
صببت بها شمس المدامة بيننا
فتغرب في جنح من الليل مظلم
وتجحد أنوا الحميا بلونها
كقلب حسود جاحد يد منعم
ويقول آخر في الخال:
ألوامي على كلفي بيحيى
متى من حبه أرجو سراحا
وبين الخد والشفتين خال
كزنجي أتى روضا صباحا