تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان حول ابن عباد شعراء كثيرون يمدحون ويلهون معه، وهو فيهم كالبدر حوله الهالة، من أشهرهم ابن عمار، وابن زيدون وابن اللبانة، والحصري، وابن حمديس الصقلي، وعلي بن حصن وغيرهم. فابن عمار شاعر كبير، ويظهر أنه نشأ نشأة فقيرة في شلب وقرطبة، أخذ يتجول في بلاد الأندلس، يمدحهم وينال منهم، حتى حط رحاله عند المعتمد بن عباد، فوجد منه ابن عباد أنيسا لطيفا، وسميرا وأديبا، يشعر فيما يشعر فيه ابن عباد، غاية الأمر أن ابن عمار خضع لنشأته الفقيرة، فكان لا يأمن الدهر، ولا يطمئن إليه، ولكنه مع ذلك كان يشارك ابن عباد في التهام المسرات، فأخذ يمدحه ويقول فيه مثلا:

أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى

والنجم قد صرف العنان عن السرى

والصبح قد أهدى لنا كافوره

لما استرد الليل منا العنبرا

والروض كالحسنا كساه زهره

وشيا وقلده نداه الجوهرا

أو كالغلام زها بورد رياضه

خجلا وتاه بآسهن معذرا

روض كأن النهر فيه معصم

صاف أطل على رداء أخضرا

وتهزه ريح الصبا فتخاله

سيف ابن عباد يبدد عسكرا

ملك إذا ازدحم الملوك بمورد

ونحاه لا يردون حتى يصدرا

كان المعتمد بن عباد واليا أول الأمر على إشبيلية من قبل أبيه المعتضد، فصاحبه ابن عمار، وحضه على الإسراف في الترف والنعيم، واللهو والمجون، فلما علم المعتضد بذلك أراد أن يصرفه عن ابنه، حتى يلتفت إلى أمور الولاية، فنفاه عن إشبيلية، فلما مات المعتضد وصار الأمر للمعتمد استقدمه إلى غرناطة وجعله شاعره كما كان، وجعله وزيرا له ، ولكن يظهر أنه كان طموحا وكان شجاعا غازيا، ويظهر أنه قد حدثته نفسه أن يحل محل سيده ابن عباد، فاتهموه بأنه يدبر الدسائس لذلك، وكان له أعداء في البلاط يدسون له ويدس لهم كابن زيدون. وأخيرا وبعد جملة حوادث غضب عليه الأمير ابن عباد وقتله. وله شعر كثير مبثوث في كتب الأدب يدل على عظيم شاعريته وانتحائه منحى أميره. ولم يكن ابن عباد فيما يظهر متجنيا، فقد عثر على قصيدة لابن عمار عنيفة جدا ذم فيها المعتمد وآله وزوجه، ويظهر أن بلاط الأمراء كعادته مملوء بالدسائس والأكاذيب والفتن، وهذا الذي وقع لابن عمار وقع قريبا منه لابن زيدون كما ذكرنا ذلك من قبل.

وأما ابن اللبانة فكان شاعرا كبيرا، وكان أستاذا لابن زيدون. وأكبر ما يؤثر عنه في هذه الكارثة أنه وصف وصفا مؤثرا رحيل ابن عباد لما وقع أسيرا في يد المرابطين ونفيت أسرته، قال:

حموا حريمهم حتى إذا غلبوا

سيقوا على نسق في حبل مرتاد

وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا

فويق دهم لتلك الخيل أنداد

وعيث في كل طوق من دروعهم

فصيغ منهن أغلال لأجياد

والناس قد ملئوا العبرين واعتبروا

من لؤلؤ طافيات فوق أزياد

حط القناع فلم تستر مخدرة

ومزقت أوجه تمزيق أبراد

حان الوداع فضجت كل صارخة

وصارخ من مفداة ومن فادي

سارت سفائنهم والنوم يصحبها

كأنها إبل يحدو بها الحادي

كم سال في الماء من دمع وكم حملت

تلك القطائع من قطعات أكباد

من لي بكم يا بني ماء السماء إذا

ماء السماء أبى سقيا حشا الصادي

وأما الحصري فهو صاحب «زهر الآداب» المشهور، وقد أخذ عليه أنه استجدى ابن عباد من منفاه، وكان فقيرا، فأخذت ابن عباد أريحيته وبعث إليه بكل ما معه، وبعث مع ذلك بقطعة يعتذر فيها عن قلة ما منحه. واستبشع مؤرخو الأدب فعلة الحصري وقالوا: «إنه جرى مع المعتمد على سوء عادته، من قبح الكدية، وإفراط الإلحاف».

وأما ابن حمديس فصقلي الأصل، ولد حوالي سنة 447ه في سرقوسة بصقلية، واشتهر بالشعر من صغره، ولما سقطت صقلية في يد النورمانديين سنة 471ه فر ابن حمديس إلى الأندلس، وكان شاعرا في بلاط المعتمد أيام كان أميرا على إشبيلية، فلما أصيب ابن عباد بالمحنة وفى له ابن حمديس، وعاش معه. وله ديوان شعر كبير، نشره «أماري» وهو يمثل حياته حينما عاش في صقلية، وحينما كان في بلاط ابن عباد في إشبيلية، وحين كان مع ابن عباد في سجنه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٨٣