تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

برزن نحوك للتسليم خاشعة

أبصارهن حسيرات مكاسيرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكا وكافورا

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا

فردك الدهر منهيا ومأمورا

من بات بعدك في ملك يسر به

فإنما بات بالأحلام مغروا

وثقلت عليه القيود مرة، وعضت ساقيه، فقال:

قيدي: أما تعلمني مسلما

أبيت أن تشفق أو ترحما

دمي شراب لك واللحم قد

أكلته! لا تهشم الأعظما

يبصرني فيك أبو هاشم

فينثني والقلب قد هشما

ارحم طفيلا طائشا لبه

لم يخش أن يأتيك مسترحما

وارحم أخيات له مثله

جرعتهن السم والعلقما

منهن من يفهم شيئا فقد

خفنا عليه للبكاء العمى

والغير لا يفهم شيئا فما

يفتح إلا لرضاع فما

والغريب أن الشعراء لم يخجلوا أن يسألوه وهو على تلك الحال فقال:

سألوا اليسير من الأسير وإنه

بسؤالهم لأحق منهم فاعجب

لولا الحياء وعزة لخمية

طي الحشا لحكاهم في المطلب

وهكذا كان كل شيء يذكره بماضيه، فيشعر فيه، وشعره كله صادق، إن كان في لهوه وعزه فشعره عزة ولهو، وإن مات بعض أولاده فشعره رثاء وحنين، وإن وقف فارسا في موقف البطولة فشعره بطولة، وإن أسر وسجن فشعره بكاء وحزن وذكر لماض، وكلها أدب صادق حي، يستطيع القارئ أن يلحظ هذه الفترات كلها في شعره، فهو ظل له. فإن رأيت غزلا هادئا، وحبا صادقا، فذلك في الفترة الأولى، مثل قوله:

فتكت مقلتاه بالقلب مني

وبكت مقلتاي شوقا إليه

فحكى لحظه لنا سيف عبا

د ولحظي له سحاب يديه

وقوله:

كتبت وعندي من فراقك ما عندي

وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد

وما خطت الأقلام إلا وأدمعي

تخط سطور الشوق في صفحة الخد

ولولا طلاب المجد زرتك طيه

عميدا كما زار الندى ورق الورد

ومثل قوله:

ولقد شربت الراح يسطع نورها

والليل قد مد الظلام رداء

حتى تبدى البدر في جوزائه

ملكا تناهى بهجة وبهاء

وتناهضت زهر النجوم يحفه

لألاؤها فاستكمل اللألاء

لما أراد تنزها في غربه

جعل المظلة فوقه الجوزاء

وترى الكواكب كالمواكب حوله

رفعت ثرياها عليه لواء

وحكيته في الأرض بين مواكب

وكواعب جمعت سنا وسناء

إن نشرت تلك الدروع حنادسا

ملأت لنا هذي الكئوس ضياء

وإذا تغنت هذه في مزهر

لم تأل تلك على التريك غناء

وقوله:

يا صفوتي من البشر

يا كوكبا، بل يا قمر

يا غصنة إذا مشت

يا رشأ إذا نظر

يا نفس الروضة قد

هبت لها ريح سحر

يا ربة اللحظ الذي

شد وثاقا إذ فتر

متى أداوي بندا

ي السمع مني والبصر

ما بفؤادي من جوى

بما بفيك من خصر

وإذا رأيت شعره فخرا وشمما مملوءا حماسة أو رثاء فذلك في الفترة الثانية، وإذا رأيت بكاء على الماضي، ومقارنة بين ماض زاهر، وحاضر بائس فاعلم أن هذا ظل للفترة الثالثة كقوله:

قبح الدهر فماذا صنعا

كلما أعطى نفيسا نزعا

قد هوى ظلما بمن عادته

أن ينادي كل من يهوى «لعا»

راح لا يملك إلا دعوة

جبر الله العفاة الضيعا

وقوله:

بكيت إلى سرب القطا إذا مررن بي

سوارح لا سجن يعوق ولا كبل

ولم يك والله المعيد حسادة

ولكن حنينا أن شكلي لها شكل •••

لنفسي إلى لقيا الحمام تشوق

سوائي بحب العيش في ساقه حجل

ألا عصم الله القطا في فراخها

فإن فراخي خانها الماء والظل

وقوله:

كنت حلف الندا ورب السماح

وحبيب النفوس والأرواح

إذ بيميني للبذل يوم العطايا

ولقبض الأرواح يوم الكفاح •••

وأنا اليوم رهن أسر وفقر

مستباح الحمى مهيض الجناح

لا أجيب الصريخ إن حضر النا

س ولا المعتفين يوم السماح

عاد بشري الذي عهدت عبوسا

شغلتني الأشجان عن أراحي

فالتماحي إلى العيون كريه

ولقد كان نزهة اللماح ... إلخ.

وشعره من روح شعر ابن زيدون، وقد كانا متعاصرين، وكان ابن زيدون يمدح ابن عباد، فلئن كان ابن عباد أرفع شأنا وأعلى نفسا فابن زيدون أغزر معنى، وأطول نفسا.

وتبعة ابن تاشفين قوية على كل حال، فمهما كانت الأسباب التي حملت على إزالة ملوك الطوائف، سواء كانت أسبابا وضيعة كحبه لمال الأندلس وخيراتها، أو كانت أسبابا شريفة كتوحيد المملكة ضد أعدائه، فقد كان يستطيع أن يحبس ابن عباد في قصر فخم يليق به، من غير قيود وأغلال، ويجري عليه من الرزق ما يكفيه عن سعة. وبذلك يضمن تحصيل رغبته، ويخفف من وقع الألم عن ابن عباد، ولكنه بدوي جلف، لا يفهم كثيرا معنى الإنسانية.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٨٢