تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

وكان المظنون أن يرحل ابن تاشفين عن الأندلس نهائيا بعد انتصاره ويعود إلى بلاده، ولكن أطمعه أصحابه في البلاد فسمع لقولهم بعد أن رأى ثروتها ونضارتها، وكثرة مالها، وربما فكر أيضا من ناحية صلاح المسلمين، فرأى أن البلاد مقسمة إلى أمراء لا رابطة بينهم، وأنهم بهذا الوضع لا يستطيعون أن يصدوا الإسبانيين، وأن القوة في الوحدة؛ فعزم أن يزيل ملوك الطوائف، ويضع يده على البلاد. وأيا ما كان فقد رحل يوسف بن تاشفين، ثم عاد إلى الأندلس ببربره الأجلاف، وأزال ملوك الطوائف، ومن بينهم المعتمد بن عباد. (3)

قاتل ابن عباد أشد قتال، دفاعا عن بلاده، حتى اضطربت إشبيلية اضطرابا خرج الناس معه من منازلهم، وبعضهم ألقى نفسه في البحر. وفي ذلك يقول:

لما تماسكت الدموع

وتنهنه القلب الصديع

قالوا: الخضوع سياسة

فليبد منك لهم خضوع

وألذ من طعم الخضو

ع على فمي السم النقيع

إن تستلب عني الدنا

ملكي وتسلمني الدموع

فالقلب بين ضلوعه

لم تسلم القلب الضلوع

لم أستلب شرف الطبا

ع أيسلب الشرف الرفيع

قد رمت يوم نزالهم

ألا تحصنني الدروع

وبرزت ليس سوى القمي

ص عن الحشا شيء دفوع

وبذلت نفسي كي تسي

ل إذا يسيل بها النجيع

أجلي تأخر لم يكن

بهواي ذلي والخشوع

ما سرت قط إلى القتا

ل وكان من أملي الرجوع

شيم الألى أنا منهم

والأصل تتبعه الفروع

وشنت الغارة في البلد، ولم يترك البربر لأحد من أهلها ثبدا ولا لبدا، وانتهبت قصور المعتمد نهبا قبيحا، وأخذ هو وأهله ووضعوا في السفن، وكان له ولدان؛ المعتمد بالله، والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة، لو شاءا أن يمتنعا بهما، لم يصل أحد إليهما، فضيق على المعتمد بن عباد، وأثقل بالحديد، ليكتب لابنيه بأن يسلما، فلما أكثر أبوهما من ذلك استسلما، ثم قتلا غيلة. وللمعتمد شعر كثير في رثاء ولديه هذين، كقوله:

يقولون صبر لا سبيل إلى الصبر

سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري

هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه

يزيد فهل بعد الكواكب من صبر

أفتح لقد فتحت لي باب رحمة

كما بيزيد الله قد زاد في أجري

هوى بكما المقدار عني ولم أمت

وأدعى وفيا! قد نكصت إلى الغدر

توليتما والسن بعد صغيرة

ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري

فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى

إذا أنتما أبصرتماني في الأسر

يعيد على سمعي الحديد نشيجه

ثقيلا، فتبكي العين بالحس والنقر

معي الأخوات الهالكات عليكما

وأمكما الثكلى المضرمة الصدر

فتبكي بدمع ليس للقطر مثله

وتزجرها التقوى فتصغي إلى الزجر

أبا خالد أورثتني البث خالدا

أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري

50

وقبلكما ما أودع القلب حسرة

تجدد طول الدهر، ثكل أبي عمرو

51

ولما انهزم ابن عباد، وخرج بجواريه وأمواله، أخذ الناس يبكون بدموع غزار عندما علموا بخروجه، وقال في ذلك الشاعر المشهور ابن اللبابة قصيدة مطلعها:

تبكي السماء بدمع رائح غادي

على البهاليل من أبناء عباد

ومنها:

يا ضيف أفقر بيت المكرمات فخذ

في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد

وقال ابن حمديس:

ولما رحلتم بالندى في أكفكم

وقلقل رضوى منكم وثبير

رفعت لساني ب «القيامة قد دنت»

فهذي الجبال الراسيات تسير

وأخرج من ملكه، ووضع في بلدة تسمى «أغمات» قرب مراكش، وقال في ذلك أبو بكر الداني وهو ابن اللبانة أيضا:

لكل شيء من الأشياء ميقات

وللمنى من مناياهن غايات

والدهر في صبغة الحرباء منغمس

ألوان حالاته فيها استحالات

ونحن من لعب الشطرنج في يده

وربما قمرت بالبيدق الشاة

انفض يديك من الدنيا وساكنها

فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا

وملء لعالمها الأرضي قد كتمت

سريرة العالم العلوي أغمات

فكان في أسره فقيرا معذبا، وما زال حاله يسوء حتى أصبح في عيشة ضنك ... مر العيد عليه مرة، فذكر ما هو فيه من بؤس، وما كان فيه من عز، فقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فساءك العيد في أغمات مأسورا

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٨١