أسرة بني عباد أسرة تنتمي إلى النعمان بن المنذر اللخمي، آخر ملوك الحيرة، الملقب بماء السماء، وكثيرا ما كان يمدحه الشعراء بماء السماء، مستخدمين الاسم والمعنى، وأفرادها يعتزون بالانتساب إليها، وقد كانوا أشهر ملوك الطوائف، فملكوا إشبيلية وقرطبة، وفيهم يقول القائل:
من بني النذرين وهو انتساب
زاد في فخرهم بنو عباد
فتية لم تلد سواها المعالي
والمعالي قليلة الأولاد
عرفوا بالفقه والأدب والشجاعة وعلو الهمة، وكان المعتضد أبو المعتمد شاعرا، ولكنه دون ابنه المعتمد.
وقد تجمعت للمعتمد أسباب كثيرة ألهبت عواطفه، على اختلاف أنواعها، فهو محب شريب تلعب به عواطف الحب، ثم تلهبها الخمر، ومن ناحية أخرى يعتز أحيانا في ملكه، فتمدحه الشعراء ويلهبون عنده عواطف المجد والفخر؛ ومن ناحية يفقد ولديه في الحروب، وكانا شابين ماجدين، فتثور عنده عاطفة الحزن، وأخيرا يذهب عنه عزه وملكه، فيذل بعد العزة، ويهون بعد العلو، ويفتقر بعد الغنى، وينظر لحاله من جميع النواحي، فيرثى لها، ويبكي عليها بكاء مرا، كل هذه الأسباب إذا اجتمعت في شاعر، أنطقته بخير الأقوال، وهو في شعره هذا لا يتملق بمديح، ولا يتزلف لسلطان، إنما يشعر لنفسه، فحياته شعره، وشعره حياته.
ويمكن تقسيم حياته إلى ثلاث فترات: (1)
حياته الأولى في شبابه، تغمرها مجالس الأنس: خمر ونساء، ومجالس أنس وأدب، وحرب أحيانا. وهذا قبل أن يتولى الملك. وفي هذه الفترة كان يسير مرة مع صديقه الشاعر الكبير ابن عمار على شاطئ نهر، فخطر على بال ابن عباد شطر بيت وهو:
صنع الريح من الماء زرد ... ... ... ...
ثم أرتج عليه فام يستطع إكماله، فقال لابن عمار: أجز. فأرتج عليه أيضا، فسمع جارية وراءه تقول: ... ... ... ...
يا له درعا منيعا لو جمد
وفي رواية أخرى: ... ... ... ...
أي درع لقتال لو جمد
فالتفت وراءه، فرأى فتاة أعجب بجمالها، وبحسن بديهتها، وكان مولاة يظهر أنها أسرت في الحروب، أو مولدة، فسأل عن اسمها، فقيل: إن اسمها «اعتماد»، وكان سيدها يسمى «رميك بن الحجاج» فاشتراها منه، وأحبها وملأت قلبه، وشغلت جزءا كبيرا من حياته، وتسمى «اعتماد الرميكية». وقد أنجب منها بعض أبنائه فشاركته في نعيمه وبؤسه، ويحكون أنها رغبت مرة أن تسير في طين كعادتها قديما، فعمل لها ابن عباد وحلا من مسك وعنبر وكافور، تدليلا لها، فلما غضبت مرة كعادة النساء أيام بؤسه وقالت له: «لم أنل منك يوم سرور»، رد عليها وقال: «ولا يوم الطين؟» فخجلت وسكتت.
على كل حال كانت هذه فترة مرح وسرور وترف ونعيم. (2)
ثم تولى الملك، فزاد ترفه ونعيمه وعظمته ومسئوليته، وقصده الناس من كل فج، واتسع ملكه اتساعا كبيرا، فضم قرطبة إلى إشبيلية، وفي ذلك الحين قالوا: إنه لم يقف بباب أحد من الشعراء ما وقف ببابه. ثم عدا عليه الزمان الذي لا يرحم، فجاءت فترة قوي فيها ملك الإسبان، حتى وضع الجزية على ابن عباد. وأخيرا لما أحس ملك الإسبان بقوته رفض أن يأخذ الجزية، وأرسل رسولا إليه، فضرب ابن عباد الرسول، وقتل من معه، وقال كلمته المشهورة: «لأن أكون راعي جمل عند يوسف بن تاشفين،
48
خير من أكون قائدا كبيرا عند الأذفونش».
أحس الناس في ذلك الوقت الخطر الداهم عليهم من الإسبانيين، حتى قال قائلهم:
حثوا رواحلكم يأهل أندلس
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثورا من الوسط
من جاور الشر لم يأمن عواقبه
كيف الحياة مع الحيات في سفط
فلما سمع رجال الأندلس، أعيانها وفقهاؤها بذلك، اجتمعوا وقالوا: هذه مدن الإسلام قد تغلب عليها الفرنج، وملوكنا يقاتل بعضهم بعضا، وإن استمر الحال على هذا المنوال ملك الفرنج جميع البلاد، وجاءوا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، وتشاوروا فيما يفعلون، وآخر ما اجتمع عليه رأيهم أن يكتبوا إلى يوسف بن تاشفين ملك الملثمين «المرابطين» بالمغرب يستنجدونه، فاجتمع القاضي بالمعتمد، وأخبره بما جرى، فوافق على أنه مصلحة، وقال له: تمضي إليه بنفسك، فكتب القاضي إليه، فما لبث ابن تاشفين أن خرج مسرعا إلى مدينة «سبتة» وعبر هو وعسكره إلى الجزيرة الخضراء، وهي مدينة في بر الأندلس، وأرسل إلى جيوشه أن يلحقوا به، وكتب إلى ابن عباد بذلك، ووقعت وقعة كبيرة بين ابن تاشفين ومن تبعه من رجال الأندلس، وبين الأذقونش ، وهي الوقعة المشهورة بوقعة الزلاقة، وفيها انهزم الإسبانيون ومن معهم بعد قتال شديد، وكان ذلك في سنة 479ه، واتخذ هذا عاما مشهورا يؤرخون به، فيقولون: «عام الزلاقة». وحارب مع ابن تاشفين ابن عباد، وأبلى بلاء حسنا، وجرح مرارا، وتعرض للموت مرارا.