تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورهطي فذا حين لم يعبق لي رهط

ولولاك لم تقدح زناد قريحتي

فينتهب الظلماء من نارها سقط •••

أتدنو قطوف الجنتين لمعشر

وغايتي السدر القليل أو الخمط •••

يولونني عرض الكراهة والقلى

وما دهرهم إلا النفاسة والغمط

وقد وسموني بالتي لست أهلها

ولم يمن أمثالي بأمثالها قط •••

وإني لراج أن تعود كبدئها

لي الشيمة الزهراء والخلق السبط

فما لك لا تختصني بشفاعة

يلوح على دهري لميسمها علط

47

ويظهر أن تدخل أستاذه قد نجح، فقد رأيناه عاد إلى البلاط، ونراه بعد ذلك يمدح ابن جهور، ولكن لم نر ولادة قد عادت إلى صداقتها القديمة لابن زيدون، بل نرى أنها انسحبت بعد ذلك من الميدان الأدبي، وعاشت سنين في بيت ابن عبدوس، ورأينا بعد ذلك أن أبا الوليد بن جهور بعد أن مات أبوه وتولى هو مكانه، قد أشفق على ابن زيدون من ضناه في الحب، فأرسله سفيرا عنه إلى بعض أمراء الأندلس، لعله ينسى حبه.

ثم إن الزمان الذي يشيب كل شاب، ويهرم كل فتى وفتاة، ويميت كل حي، قد عدا على ولادة، فأذهبها نضرة شبابها، ونظرت فإذا هي في الثمانين من عمرها من غير زواج، ولكنها كانت خليلة هذا أو ذاك.

ونظرت أيضا فرأت أن حرارتها في الحب قد هدأت، وأن من كانوا يحبونها لم يعودوا يتشببون بها؛ لأن الناس إنما كان يعجبهم فيها شبابها، فإذا ولى الشباب ولى الحب، وسلا ابن زيدون، وسلا ابن عبدوس، وعاشت هي بذكريات أمسها لا بيومها.

وقد رووا أن ولادة أخذت على ابن زيدون بعض معايب كانت تقصها على الوسطاء، وتعتذر بها عن نبوتها عنه. ولسنا نبرئ ابن زيدون من كل عيب، فلا بد له من عيوب فيه حالت بينه وبين استمرار ولادة في حبه، وكثرة الناقمين عليه من أصحابه. والناس يخلطون كثيرا في الصفات فينسبون إلى النابغة في ناحية كمالا في النواحي الأخرى، وهذا غير صحيح، فقد يكون زعيما كبيرا، أو شاعرا عظيما في نواح خاصة، على حين أنه ساقط كل السقوط في نواح أخرى، بل قد تكون نقطة قوته نامية على حساب ضعفه في النواحي الأخرى، كالأعمى ينمو سمعه على حساب بصره. ولعل مترجمي ابن زيدون قد وقعوا في هذا الخطأ، فجندوا أنفسهم للدفاع عنه في كل منقصة تنسب إليه، ولعل خصومه كانوا محقين في توجيه اللوم له على بعض تصرفاته، ولكن لعلنا لم نظفر بأشعار ابن زيدون الجميلة إلا لما فيه من مزايا وعيوب، وأي الناس تصفو مشاربه؟!

ولما استطال ابن زيدون مدة سجنه، كتب إلى أبي الوليد بن جهور أن يستشفع له عند أبيه أبي الحزم، فعفا عنه، ثم لما مات أبو الحزم وتولى مكانه ابنه أبو الوليد قربه إليه، ولكن سرعان ما سمع أبو الوليد لأقوال وشاة ابن زيدون؛ وهم بإعادته إلى السجن، فخاف ابن زيدون إذ كان قد ذاق مرارة السجن، واعتزم أن يفر من قرطبة إلى إشبيلية، حيث كان يحكمها المعتضد بن عباد، ولم يشأ أن يفر مفاجأة، فراسل أصدقاءه هناك، والمعتضد نفسه، فوعدوه أن يستقبلوه استقبالا حسنا، ففر إليها، وصادف أن كان وقت نزوله عيد الأضحى، فجاشت نفسه بالشعر فقال:

خليلي لا فطر يسر ولا أضحى

فما حال من أمسى مشوقا كما أضحى

وظل مدة المعتضد بن عباد مكرما معززا، ولما مات المعتضد رثاه رثاء طويلا في قصيدة مطلعها:

أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا

عليك زمان من سجيته الغدر

وكذلك كان شأنه مع ابنه المعتضد بن عباد. ثم إن حساد ابن زيدون نشطوا من جديد، كشأنهم معه في كل بلد حل فيه، فأرادوا أن يغيروا عليه قلب المعتضد بن عباد، فكانوا يرمون الرقع، ويقصدون القصائد في تحذيره من ابن زيدون، فلم يأبه لهم، ولم يسمع لكلامهم، فلما يئسوا من ذلك أوعزوا إلى ابن عباد أن يرسل ابن زيدون في جيش لإخماد فتنة حتى يستريحوا منه، وقالوا لابن عباد: إن له من الشجاعة والفتوة، وحب الناس له ما يجعله أهلا لذلك. فسمع لكلامهم، فأمره بالسفر مع الجيش مع أنه كان مريضا، فخضع للأمر، وسافر، وعاد فلم يلبث إلا قليلا حتى مات رحمه الله ... ولابن زيدون ناحية نثرية بديعة سنتكلم عنها في النثر. (1-6) ابن عباد

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٧٩