ولا أن يزور المقلتين منام
قضيب من الريحان أثمر بالبدر
لواحظ عينيه ملئن من السحر
وديباج خديه حكى رونق الخمر
وألفاظ في النطق كاللؤلؤ النثر
وريقته في الارتشاف مدام
ومن قوله أيضا على النمط المأثور:
يجوز على قلبي هوى ويجير
ويأمرني: إن الحبيب أمير
أغار عليه من لحاظي صيانة
وأكرمه: إن المحب غيور
أخف إلى لقيا الحبيب وإنني
لعمرك في جلي الأمور وقور
وقال:
رعى الله من يصلي فؤادي بحبه
سعيرا وعيني منه في جنة الخلد
غزالية العينين شمسية السنا
كثيبية الردفين غصنية القد
شكوت إليها حبها بمدامعي
وعلمتها ما قد لقيت من الوجد
فجادت وما كادت علي بخدها
وقد ينبع الماء النمير من الصلد
فقلت لها: هاتي ثناياك إنني
أفضل نوار الأقاحي على الورد
وميلي على جسمي فانثنت
تعيد الذي أملت منها كما تبدي
فيا ساعة ما كان أقصر وقتها
لدي تقضت غير مذمومة العهد
وله يتغزل في ولادة أيضا:
يا نازحات وضمير القلب مثواه
أنستك دنياك عبدا أنت مولاه
ألهتك عنه فكاهات تلذ بها
فليس يجري ببال منك ذكراه
عل الليالي تبقيني إلى أمل
الدهر يعلم والأيام معناه
ويقول:
غريب بأقصى الشرق يشكو معصبا
يحملها منه السلام إلى الغرب
فما ضر أنفاس الصبا في احتمالها
سلام فتى يهديه جسم إلى قلب
وحدث أن كان لولادة جارية سوداء تغني لها، وربما كانت إرثا من قصر أبيها، فغازل ابن زيدون هذه الجارية السوداء، فاغتاظت ولادة غيظا شديدا، وربما فعل ابن زيدون هذا ليثير فيها غريزة الغيرة، فقالت:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنا مثمرا بجماله
وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما
لكن ولعت لشوقتي بالمشتري
وربما اتصلت ولادة هي الأخرى بابن عبدوس انتقاما منه، وإثارة لغيرته، جزاء وفاقا.
ولما علم ابن زيدون أن ابن عبدوس اتصل بها، قال فيه:
أكرم بولادة ذخرا لمدخر
لو فرقت بين بيطار وعطار
قالوا: أبو عامر أضحى يلم بها
قلت: الفراشة قد تدنو من النار
عيرتمونا بأن قد صار يخلفنا
فيمن نحب وما في ذاك من عار
أكل شهي أصبنا من أطايبه
بعضا، وبعضا صفحنا عنه للفار
والظاهر أنها لم تكن تحب ابن عبدوس كابن زيدون، وإنما بهرها ابن عبدوس بماله، أو حدث ما جعلها تغيظ ابن زيدون في التظاهر بحب ابن عبدوس.
على كل حال بقي في السجن على حسب قوله نحو خمسمائة يوم، أي: سنة ونصف تقريبا، وزارته أمه يوما في السجن، فبكت وأثارت شجونه، فقال في ذلك قصيدته الجميلة التي مطلعها:
ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي
ويطلب ثأري البرق منصلت النصل
وهل أقامت أنجم الليل مأتما
لتندب في الآفاق ما ضاع من نثلي
44
ومنها:
ولو أنني أسطيع كي أرضي اليدا
شريت ببعض الحلم حظا من الجهل
وفيها يخاطب أمه فيقول:
أقلي بكاء لست أول حرة
طوت بالأسى كشحا على مضض
وفي أم موسى عبرة أن رمت به
إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
لعل المليك المجمل الصنع قادرا
له بعد يأس سوف يجمل صنعا لي
45
ثم استرسل في عتاب ابن جهور. ولكن يظهر أن التهمة التي اتهم بها كانت لم تحتمل الشك، فقد تركه ابن جهور في السجن، وكان لا يفارقه حب ولادة، فبعث إليها بقصيدة طويلة يقول فيها:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا
والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله
كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم
كما شققت عن اللبات أطواقا
46
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا
إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لا سكن الله قلبا عن ذكركم
فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
فالآن أحمد ما كنا لعهدكم
سلوتم وبقينا نحن عشاقا
وبعثها إليها فلم ترد عليه، واستشفع بأستاذه الذي ذكرناه قبل، وهو أبو بكر مسلم بن أحمد، ورجاه أن يتوسط له عن ابن جهور، وبعث إليه بقصيدة مر بعضها ويقول فيها:
عليك أبا بكر بكرت بهمة
لها الخطر العالي وإن نالها الحط
أبى بعدما هيل التراب على أبي