وقد رويت له مدائح كثيرة لأمراء كثيرين، وهو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب المخزومي، من نسل أحد أفراد قبيلة مخزوم الذين رحلوا إلى الأندلس أيام الفتح، وكان أبوه مشهورا بأنه فقيه أديب، فأورث ابنه حبه الأدب. وقد ولد ابن زيدون في قرطبة سنة 394ه، ومات في إشبيلية سنة 463ه، ومع أنه تعلم الشعر ممن ذكرنا من الشعراء، فهناك خيوط يظهر فيها أثر بيئته.
ويدل شعره على أنه واسع الاطلاع على شعر المشرق، وشعر من قبله من الأندلسيين واستفادته من كل ذلك، مع احتفاظه بشخصيته. وقد أخذ عن عالمين كبيرين في الأندلس، هما أبو بكر مسلم بن أحمد بن اللبانة، وأبو بكر بن ذكوان، وقد لفت نظر الناس إلى شعره منذ شبابه.
وشاء حظه أن يقع في حب ولادة بنت الخليفة المستكفي، وقد كان المستكفي هذا فاجرا، مستهترا، سيئ الحكم، قل ماله فأحب أن يرضي الناس بوعوده، وبما يوزعه من ألقاب، حتى زهد الناس فيها، وخلف بنتا اسمها ولادة، خلفها من مولاة له إسبانية، وكانت ولادة هذه بيضاء اللون، حمراء الشعر، زرقاء العينين، لا تلتزم الحجاب المعتاد للنساء فاتخذت في بيتها ناديا (صالونا) يجتمع فيه الأدباء من شاعرين وناثرين، وتسمع منهم، ويسمعون منها. وكانت هي الأخرى قادرة على الشعر، وكانت حادة المزاج، قاسية، صريحة، فما أن رآها ابن زيدون وجالسها، حتى ملأت قلبه. وقد وصفها ابن بسام في الذخيرة بقوله: «كانت في نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وقناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها - سمح الله لها وتغمد زللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ لقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها، كتبت - فيما زعموا - على أحد عاتقي ثوبها:
أنا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وكتبت على الآخر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها»
ولسنا نظن كما قال ابن بسام أنها كانت على طهارة أثواب، وقد وصف ابن زيدون ليلة معها من ليالي شبابه فقال: «وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا أنشدتها:
ودع الصبر محب ودعك
ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن
زاد في تلك الخطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنى
حفظ الله زمانا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم
بت أشكو قصر الليل معك
فكانت ولادة في حياتها ومنتدياتها أشبه بعلية بنت المهدي في المشرق، وقد بدأ حب ابن زيدون لها، وعلاقته بها في سنة 422ه؛ أي: وهو في سن التاسعة والعشرين بعد سقوط الدولة الأموية، وولاية أبي الحزم بن جهور على قرطبة، وكان ابن زيدون مقربا من ابن جهور، يشغل عنده منصبا عاليا، ولكن سرعان ما تغير عليه قلب ابن جهور، وأودعه في السجن، وأجرى عليه أنواعا من العذاب. ولكن ما تهمة ابن زيدون؟
الغالب على الظن أنه طمح لأن يكون أميرا، فليس هو أقل ممن وثبوا على إمارات الأندلس، واستولوا عليها. وهو شاب حسيب نسيب، مملوء قوة، أديب كبير، فما يمنعه أن يكون كابن جهور، وابن عباد، وابن الأفطس، وأمثالهم، فلما سجن اجتمع له في سجنه الغرام بولادة، وحزنه على نفسه في السجن، وبلوغه أن ابن عبدوس وزير ابن جهور الغني الكبير يغازل ولادة بدله، ويريد أن يحل محله، كما بلغه أن ولادة من ناحيتها استجابت له، أعرضت عن ابن زيدون؛ كل هذا مع دقة مشاعره، جعله يلتهب نارا، فهو يشعر في كل هذه المعاني، طورا بألمه في الفراق، وطورا في عتاب ابن جهور، وغير ذلك، فلئن كان سجنه نقمة عليه، فقد كان نعمة على الأدب. ويظهر أنه في هذه الآونة قال في ولادة: