تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت لهم: هذا الذي زانها عندي

يعيبون لون النور والتبر ضلة

لرأي جهول في الغواية ممتد

وهل عاب لون النرجس الغض

ولون النجوم الزاهرات على البعد

وأبعد خلق الله من كل حكمة

مفضل جرم فاحم اللون مسود

به وصفت ألوان أهل جهنم

ولبسة باك مثكل الأهل محتد

41

ومذ لاحت الرايات سودا تيقنت

نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد

42

فتعبيراته كلها مقتبسة من الفقه والكلام والمنطق، وإلهيات الفلسفة، فيصعب علينا أن نعده من الشعراء الخالصين، وإن امتاز بصدق الشعور، وصدق التعبير، وجمال الخيال. وسيأتي مقامه في النثر عند الكلام على النثر.

إلى هنا كان الشعر قد بلغ حدا كبيرا من الرقي في عهد الأمويين والعامريين، وسبب ذلك أن الأمويين والعامريين كانوا يجزلون العطاء ويقدرون قيمة الشعراء في الدعوة لهم، حتى كانوا يحملون الشعراء على السفر معهم في غزواتهم، وسبب آخر، وهو أن آخر عهد الأمويين، ومدة العامريين كانت عهود فتن واضطرابات، والفتن والاضطرابات تحرك المشاعر، وأذكر أن ابن سلام في طبقاته قال عن قبيلة من القبائل: إنها لم تقل شعرا؛ لأنها لم تكن قبيلة محاربة ... هذا إلى طبيعة الأندلسيين الشعرية، فيكاد يكون كل مثقف، ولو ثقافة بسيطة شاعرا. وقد قال الأندلسيون في كل فن وباب مقلدين في ذلك المشرق من الزهد والوصف والرثاء والغزل ... إلخ. فإذا نحن وصلنا إلى عصر ملوك الطوائف رأينا الشعر قد نما وكثر أيضا؛ بسبب أن المملكة قد انقسمت إلى إمارات كثيرة، يحكم كل قسم منها أمير، وكان بين الأمراء تنافس على التعمير والعلم، ومن ذلك الشعر؛ ولذلك وجد شعراء لا يقلون شأنا عن السابقين، إن لم يفوقوهم أحيانا، أمثال: ابن زيدون وابن عباد وابن سهل الإسرائيلي وغيرهم. وربما عمل في تكوينهم أكثر من الأولين أنهم انتفعوا بمن سبقهم، فقد خلفوا ثروة كبيرة من الأخيلة والأساليب والمعاني؛ يضاف إلى ذلك أنه ما كاد يظهر شاعر في المشرق إلا وينقل شعره سريعا إلى المغرب ثم يقلد، ويدهش الإنسان لهذه السرعة، فقد كانت حركات الرحلات شديدة قوية، مع صعوبة المواصلات، وكان الحج موسما تتلاقى فيه العلماء والأدباء، فيتناقلون كتبهم، فكان الشعر في عهد الطوائف أرقى منه على ما يظهر في العهود التي كانت قبلهم، وإن كان الأندلسيون من الناحية السياسية والحربية أضعف.

وشاهد هذا العصر تغلب النصارى الإسبان على بلاد الأندلس، بلدا فبلدا، فإذا حل النصارى بلدا هجرها أهلها، ورثوها بشعرهم، فوجد عندنا في الأندلس ما لا نجده في الشرق إلا نادرا من رثاء البلاد رثاء قويا يدل على عاطفة مشبوبة، ولكن هناك ظاهرة أخرى، وهي أن الحروب بين الإسبان والأوربيين عموما وبين المسلمين لم تنقطع، فيكاد يكون في كل سنة حرب ووقائع، تشيب لها النواصي، ولكن مع الأسف كمية الشعر التي رويت في هذا الباب أقل مما يلزم كشأن المسلمين في الحروب الصليبية، وفي حروب صلاح الدين وخلفائه، فقل الشعر العربي في هذا المعنى. ولعل السبب في ذلك أن الأولين لم يشعروا كثيرا في باب الحروب، وشعرهم كان شعرا تقليديا، فلما رأوا أن من قبلهم لم يشعروا كثيرا في هذه المعاني، لم يشعروا هم أيضا كثيرا، والواقع أن حروب الأندلس، وحروب الصليبيين، كان يجب أن تغذي الشعراء بما يصوغون من قصائد. (1-5) ابن زيدون

هو أحب شعراء الأندلس إلى نفسي، وأقربهم إلى قلبي، ويظهر أنه استصفى غزل العباس بن الأحنف، ومسلم بن الوليد، وغيرهما، وأخذ ديباجة البحتري، وحسن سبكه، ونصاعة أسلوبه، وأخذ طول نفس ابن الرومي وتدفقه حتى يأتي على آخر المعنى الذي يرده. وقد حدثت له حادثتان ألهبتا قلبه، وجعلتاه يشعر من قلبه، لا من رأسه؛ أولاهما: حبه لولادة، فقد هام في حبها، وجرب كل أنواع التجارب في الحب من لذة وصال، وألم فراق، وأحاديث نفس، وغيرة من عذول ... إلخ. وثانيتهما: كثرة حساده وتآمرهم عليه، ووضع الدسائس له عند الأمير المقرب إليه، حتى سجنه، فذاق ألوانا من العذاب في سجنه، وكانت له قدرة على صياغة أدق المشاعر في شعر جميل، وأسلوب جذاب، ومع هذا لم يخل من قول الشعر الرقيق في الموضوع التقليدي الذي هو المديح.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٧٥