أفعال كل امرئ تنبي بعنصره
والعين تغنيك عن أن تطلب الأثرا
وهل ترى قط دقلى أنبتت عنبا
أو تذخر النخل في أوكارها الصبرا؟
وقد امتلأ كتابه «طوق الحمامة» بالنثر والشعر الذي يمليه عليه حبه، مع دعابة أحيانا كقوله:
وذي عذل في من سباني حسنه
يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن أجل وجه لاح لم تر غيره
ولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له: أسرفت في اللوم فاتئد
فعندي رد لو أشاء طويل
أم تر أني ظاهري وأنني
على ما أرى حتى يقوم دليل؟
وتجد في هذه القطعة مصداق ما قلناه «فعندي رد طويل» تعبير علماء الكلام، والبيت الأخير ينضح بذلك. ويقول:
لئن أصبحت مرتحلا بجسمي
فقلبي عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى
له سأل المعاينة الكليم
وهو أيضا نضح للثقافة الدينية، وخصوصا البيت الثاني. ويقول:
لا تلمني لأن سبقة حظ
فات إدراكها ذوي الألباب
يسبق الكلب وثبة الليث في العد
ويعلون النخال فوق اللباب
فقوله: «لأن» في هذه الأبيات تعبير فقهي. ويقول:
لي خلتان أذاقاني الأسى جرعا
ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي
كلتاهما تطبيني
36
نحو جبلتها
كالصيد ينشب بين الذئب والأسد
وفاء صدق فما فارقت ذا مقة
فزال حزني عليه آخر الأبد
وعزة لا يحل الضيم ساحتها
صرامة منه بالأموال والولد
فترى في هذه القطعة التقسيم المنطقي الذي يتبعه العالم، وقل أن يسلكه الشاعر. ويقول:
جعلت اليأس لي حصنا ودرعا
فلم ألبس ثياب المستضام
وأكثر من جميع الناس عندي
يسير صانني دون الأنام
إذا ما صح لي ديني وعرضي
فلست لما تولى ذا اهتمام
تولى الأمس والغد لست أدري
أأدركه ففيما ذا اهتمامي؟
فالشطرة الأخيرة علمية أكثر منها شعرية، وكذلك قوله: «فلست لما تولى ذا اهتمام».
وأحيانا يسمو بشعره فيما وراء الطبيعة كقوله:
أمن عالم الأملاك أنت أم إنسي
أبن لي: فقد أزرى بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه
إذا أعمل التفكير فالجرم علوي
تبارك من سوى مذاهب خلقه
على أنك النور الأنيق الطبيعي
ولا شك عندي أنك الروح ساقه
إلينا مثال في النفوس اتصالي
37
عدمنا دليلا في حدوثك شاهدا
نقيس عليه غير أنك مرئي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل
سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي
ومن قوله، وهو يدل على عاطفة حارة مشبوبة أضناها الحب:
وددت بأن القلب شق بمدية
وأدخلت فيه ثم يطبق في صدري
فأصبحت فيه لا تحلين غيره
إلى مقتضى يوم القيامة والحشر
تعيشين فيه ما حييت فإن أمت
سكنت شغاف القلب في ظلم القبر
فهذا القول صادق العاطفة، وهو ترجمة صحيحة لمشاعره، ولكن قوله: «إلى مقتضى يوم القيامة والحشر» تعبير ديني.
وعلى الجملة فهو شاعر عالم، طغى علمه على شعره.
انظر قوله:
ودادي لك الباقي على حسب كونه
تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد
وليست له غير الإرادة علة
ولا سبب حاشاه يعلمه أحد
إن ما وجدنا الشيء علة نفسه
فذاك وجود ليس يفنى على الأبد
وإما وجدناه لشيء خلافه
فإعدامه في عدمنا ما له وجد
وقوله:
ما على النصر في الأعداء نعرفها
وعلة الفر منهم أن يفرونا
إلا نزاع نفوس الناس قاطبة
إليك يا لؤلؤا في الناس مكنونا
من كنت قدامه لا ينثني أبدا
فهم إلى نورك الصعاد يعشونا
ومن تكن خلقه فالنفس تصرفه
إليك طوعا فهم دأبا يكرونا
وقوله:
أرعى النجوم كأنني كلفت أن
أرعى جميع ثبوتها
38
والخنس
فكأنها والليل نيران الجوى
قد أضرمت في فكرتي من حندس
وكأنني أمسيت حارس روضة
خضراء وشح نبتها بالنرجس
لو عاش بطليموس أيقن أنني
أقوى الورى في رصد جري
39
الكنس
وقال على عادة الشعراء المتماجنين:
خلوت بها والراح ثالثة لنا
وجنح ظلام الليل قد مد واتلج
فتاة عدمت العيش إلا بقربها
فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج؟
كأني وهي والكأس والخمر والدجى
ثرى وحيا والدر والتبر والثبج
40 •••
وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما
وصفوا علمت أنه هذيان
فالطبل جلد فارغ وطنينه
يرتاع منه ويفرق الإنسان
يعيبونها عندي بشقرة شعرها