تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي ذلك يقول:

أنوح على نفسي وأندب نبلها

إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها

رضيت قضاء الله في كل حالة

علي وأحكاما تيقنت عدلها

أظل قعيد الدار تجنبني العصا

على ضعف ساق أوهن السقم وجلها

ألا رب خصم قد كفيت وكربة

كشفت ودار كنت في المحل وبلها

ورب قريض كالجريض بعثه

إلى خطبة لا ينكر الجمع فضلها

فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم

أخو فتكة شنعاء ما كان شكلها

عليكم سلام من فتى عضه الردى

ولم ينس عينا أثبتت فيه نبلها

يبين وكف الموت يخلع نفسه

وداخلها حب يهون ثكلها

وكتب للفقيه ابن حزم في مرضه الذي مات به قال:

ولما رأيت العيش ولى برأسه

وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي

تمنيت أني ساكن في غيابة

بأعلى مهب الريح في رأس شاهق

خليلي من ذاق المنية مرة

فقد ذقتها خمسين: قولة صادق

كأني وقد حان ارتحالي لم أفز

قديما من الدنيا بلمحة بارق

فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي

يدا في ملماتي وعند مضايقي

عليك سلام الله إني مفارق

وحسبك زادا من حبيب مفارق

فلا تنس تأتيني إذا ما فقدتني

وتذكر أيامي وفضل خلائقي

فلي في ادكاري بعد موتي راحة

فلا تمنعونيها علالة زاهق

وإني لأرجو الله فيما تقدمت

ذنوبي مما درى من حقائقي

وأما ابن حزم فقد عاقه عن بلوغ الغاية في شعره كثرة علمه وفقهه، فالأسلوب العلمي الفقهي غلب عليه فنجد له معاني لطيفة جدا، ولكنها في أسلوبها تتلون بألوان أساليب الفقهاء، كالذي لاحظه ابن خلدون من أنه هو قعد به عن الشعر حفظه المتون، وذكر أن فقيها شعر فقال:

لم أدر حين وقفت بالأطلال

ما الفرق بين جديدها والبالي

فقال: إن التعبير ب «ما الفرق» بين كذا وكذا، أشبه بتعبير الفقهاء، وقد تربى ابن حزم تربية عالية، فأبوه كان وزيرا عظيما، تسرح في داره الفتيات الجميلات من المغربيات، ومن فتيات الحروب المأسورات، وكان يحضر له المعلمين والمعلمات، حتى روى أنه أحفظته القرآن جارية في القصر، كما أحضر له بعض مشاهير شيوخ العلم. فوقع بين رغبتين: رغبة في العلم والدين والتقى، ورغبة في مغازلة الجواري والسير مع الهوى، والجمع بينهما كالجمع بين الماء والنار، ولكن يظهر أنه استطاع الجمع بينهما، فحمله ذلك من العذاب ألوانا، وأكثر شعره الذي بلغنا ما كان في كتابه «طوق الحمامة» يصف في خلجات نفسه، وضناه من حبه، نثرا ونظما.

والقارئ لشعره يرى أنه صادق العاطفة، لطيف المعاني الذهنية، بعيد الخيال، ولكنه مقصر بعض الشيء في الأسلوب، وهو معذور في ذلك، فالذي يؤلف «الفصل في الملل والنحل»، و«الإحكام في أصول الأحكام» وما إلى ذلك من مئات الكتب الشرعية، ليس من السهل عليه أن يبلغ القمة في الشعر. وقد عد عند كثير من الناس أعلم أهل الأندلس، ولكن لم يعدوه أشعرهم. وكان ابن حيان دقيقا في قوله: «إن شعره حسن» من غير طنطنة ولا فخفخة كعادته في وصف الشعراء الكبار.

وحدثت له حادثتان أثرتا في حياته، وفي شاعريته الأولى: حبه كالذي ذكرنا، والثانية: ما كان من اتهامه في عهد الدولة العامرية بأنه يعمل لإعادة الخلافة الأموية.

وقد كان العداء بين العامريين والأمويين في الغرب، كالعداء بين العلويين والعباسيين في الشرق، فعزل عن الوزارة من أجل ذلك، وعذب، وأهين، ونفي، وخربت دياره، وزال عنه النعيم الذي كان يعيش فيه، فكان ذلك نقمة عليه، ونعمة على العلم والأدب، ومن مزايا نشأته في بيت العز، وتمكنه من نفسه، ونزعته إلى الزهد، أنه لم يهن نفسه في شعره بمديح مفرط، أو غزل فاجر، إنما قال الشعر استجابة لخلجات نفسه، أو تفريجا لهمه، أو إرضاء لفنه، أو إرضاء لخاطرة خطرت له. وله قصيدة لطيفة قوية بلغة مائة وأربعين بيتا، أجاب بها ملك الروم عن رسالة أرسلها إلى المسلمين، يهددهم ويتوعدهم.

35

ونشأته العلمية حمته من اللعب بالألفاظ، والإطالة في القول، وتفكيره الخلقي، وتجاربه الاجتماعية، أنطقاه بالحكم، مثل:

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٧٣