تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

وعدم تقصيره في ارتكاب أي قبيحة، من أصح الناس رأيا لمن استشاره، وأضلهم عنه في ذاته، وكان له في الكرم والجود انهماك ، حتى شارف الإملاق».

فمن شعره:

كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي

لما وجدت لطعم الموت من ألم

وعاقني كرمي عمن ولهت به

ويلي من الحب أو ويلي من الكرم

34

وقوله:

أصباح شيم أم برق بدا

أم سنا المحبوب أورى زندا

هب من مرقده منكسرا

مسبلا للكم مرخ للردا

يمسح النعسة من عيني رشا

صائدا في كل يوم أسدا

فهو من دل عراه زبدة

من صريح لم يخالط زبدا

قلت: هب لي يا حبيبي قبلة

تشف من عمك تبريح الصدا

فانثنى يهتزم من منكبه

مائلا لطفا وأعطاني اليدا

كلما كلمني قبلته

فهو إما قال قولا رددا

كاد أن يرجع من لثمي له

واكتشاف الثغر منه أدردا

شربت أعطافه ماء الصبا

وسقاه الحسن حتى عربدا

ويقول في وصف عاصفة:

وقد فغرت فاها دجى كل زهرة

إلى كل ضرع للغمامة حافل

ومرت جيوش المزن رهوا كأنها

عساكر زنج مذهبات المناصل

وقد طلب منه أن يجيز قول الشاعر: «مرض الجفون ولثغة في المنطق».

فقال بديهة:

مرض الجفون ولثغة في المنطق

سيان جرا عشق من لم يعشق

من لي بألثغ لا يزال حديثه

يذكي على الأكباد جمرة محرق

ينبي فينبو في الكلام لسانه

فكأنه من خمر عينيه سقي

لا ينعش الألفاظ من عثراتها

ولو أنها كتبت له في مهرق

وقال يتغزل:

مر بي في فلك من ربرب

قمر مبتسم عن شنب

زينوا أعلاه بالدر كما

ثقلوا أسفله بالكتب

فازدهتني أريحيات الصبا

واستخفتني دواعي طربي

فتعرضت لتسليم له

فإذا التياه لا يعبأ بي

قال هذا العبد من دلله:

ما الذي أمنه من غضبي؟

يا ظبا لحظي خذي لي رأسه

فهو لا شك من أهل الريب

فانبرت ألحاظه تطلبني

وأنا قدامها في الهرب

لو تراني وأنا ألطفه

وأداريه مداراة الصبي

خلته جبار قوم مردوا

وأنا في لطف الوعظ نبي

ويقول في وصف وقعة:

سقيا لأسد تساقي الموت أنفسها

وتلبس الصبر في يوم الوغى حلقا

قامت بنصرك لما قام مرتجلا

خطيب جودك فيها ينثر الورقا

سريت تقدم جيش النصر متخذا

سبل المجرة في إثر العلا طرقا

في ظل ليل من الماذي معتكر

يجلو إلى الخيل منه وجهك الفلقا

وصفح قرن غداة الروع يكتبه

من الظبا فلم لا يعرف المشقا

أجريت للزنج فوق النهر نهر دم

حتى استحال سماء جللت شفقا

وساعد الفلك الأعلى بقتلهم

حتى غدا الفلك بالناجي به غرقا

إلخ ... إلخ.

وله من قصيدة:

فريق العدا من حد عزمك يفرق

وبالدهر مما خاف بطشك أولق

عجبت لمن يعتد دونك جنة

وسهمك سعد والقضاء مفوق

ومن يبتني بيتا ليقطع دونه

ممر رياح النصر وهو الخورنق

توهم فيه الرعن حصنا فزرته

بأرعن فيه مرعد الموت مبرق

وحولك أسياف من السعد تنتضى

وفوقك أعلام من النصر تخفق

بأبيض مسود الدلاص كأنه

شهاب عليه من دجى الليل يلمق

وخيل تمشى للوغى بجفونها

إذا جعلت بالمرتقى الصعب تزلق

ويقول وقد أزمع على الخروج من قرطبة:

أرى أعينا ترنو إلي كأنما

تساور منها جانبي أراقم

أدور فلا أعتام غير محارب

وأسعى فلا ألقى امرأ لي يسالم

ويجلب لي فهمي ضروريا من الأذى

وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم

وأوجع مظلوم لقلب وذي حجا

فتى عربي تزدريه أعاجم

سلام عليكم لا تحية شاكر

ولكن شجى تنسد منه الحلاقم

وما قرعت سني عليكم ندامة

وأوشك غدا أن يقرع السن نادم

عليكم بداري فاهدموها دعائما

ففي الأرض بناءون لي ودعائم

لئن أخرجتني عنكم شر عصبة

ففي الأرض إخوان علي أكارم

وفيها يقول:

ولما فشا بالدمع من سر وجدنا

إلى كاشحينا ما القلوب كواتم

أمرنا بإمساك الدموع جفوننا

ليشجى بما تطوي عذول ولائم

فظلت دموع العين حيرى كأنها

جلال مآقينا لآل توائم

أبى دمعنا يجري مخافة شامت

فنظمه بين المحاجر ناظم

وراق الهوى منا عيون كريمة

تبسمن حتى ما تروق المباسم

وقد مرض ابن شهيد في آخر أيامه وأصيب بالفالج في سنة 425ه، فمنعه عن الحركة والتقلب، وكان أولا يمشي على عصا، واعتمادا على إنسان، إلى ما قبل وفاته بعشرين يوما، فإنه صار حجرا لا يبرح ولا يتقلب ، ولا يحتمل أن يحرك.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٧٢