ومن كان أسمى كان بالمجد أجدرا
ويقول:
فليس لمن لا يرتقي النجم همة
وليس لمن لا يستفيد الغنى عذر
ويقول:
صدق الفناء وكذب العمر
وجلا العظات وبالغ النذر
إنا وفي آمال أنفسنا
طول وفي أعمارنا قصر
لنرى بأعيننا مصارعنا
لو كانت الألباب تعتبر
ويصور ابن هانئ مجلسا من مجالس الشراب أحسن تصوير في قصيدته المعروفة بقصيدة النجوم فيقول:
أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا
وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا
13
وبات لنا ساق يقوم على الدجى
بشمعة نجم لا تقط ولا تطفا
14
أغن غضيض خفف اللين قده
وأثقلت الصهباء أجفانه الوطفا
15
ولم يبق إرعاش المدام له يدا
ولم يبق إعتاق التثني له عطفا
16
يقولون: حقف فوقه خيزرانة
أما يعرفون الخيزرانة والحقفا
17
جعلنا حشايانا ثياب مدامنا
وقدت لنا الظلماء من جلدها لحفا
18
فمن كبد تدني إلى كبد هوى
ومن شفة توحي إلى شفة رشفا
19
بعيشك نبه كأسه وجفونه
فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى
20
وقد فكت الظلماء بعض قيودها
وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا
21
وولت نجوم للثريا كأنها
خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
22
ومما استحسنوا له:
ولما التقت ألحاظنا ووشاتنا
وأعلن سر الوشي ما الوشي كاتم
تأوه إنسي من القدر ناشج
فأسعد وحشي من السدر باغم
23
مؤيد العزم في الجلى إذا طرقت
مندد السمع في النادي إذا نودي
24
لكل صوت مجال في مسامعه
غير العنيفين من لوم وتفنيد
25
وعند ذي التاج بيض مكرمات وما
عندي له غير تمجيد وتحميد
أتبعته فكري حتى إذا بلغت
غاياتها بين تصويب وتصعيد
26
رأيت موضع برهان يبين وما
رأيت موضع تكييف وتحديد
27
ومن محاسن قوله:
أبني العوالي السمهرية والسيو
ف المشرفية والعديد الأكبر
28
من منكم الملك المطاع كأنه
تحت السوابغ تبع في حمير
كل الملوك من السروج سواقط
إلا الملك فوق ظهر الأشقر
ومما يتغنى له قوله:
فتكات طرفك أم سيوف أبيك
وكئوس خمر أم مراشف فيك
29
أجلاد مرهفة وفتك محاجر
ما أنت راحمة ولا أهلوك
يا بنت ذي السيف الطويل نجاده
أكذا يجوز الحكم في ناديك
30
قد كان يدعوني خيالك طارقا
حتى دعاني بالقنا داعيك
عيناك أم مغناك موعدنا وفي
وادي الكرى نلقاك أو واديك
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو
عثروا بطيف طارق ظنوك
31
ودعوك نشوى ما سقوك مدامة
فإذا تثنى عطفك اتهموك
حسبوا التكحل في جفونك حلية
تالله ما بأكفهم كحلوك
32
وقد عد له الأدباء مزايا وعيوبا، فمن مزاياه: (1)
قوة بيانه وجودة كلامه وشدة تأثره في سامعيه، إذا فهما معانيه. (2)
شعره جزل السبك، مليح التأليف، حتى إنك لو سمعت المصراع الأول، تكاد تحزر المصراع الثاني. (3)
شعره مطبوع تلمح فيه الجزالة التي في الشعر الجاهلي.
أما عيوبه: (1)
فكثرة استعماله للغريب من الألفاظ، مثل: اطلخلم الأمر، وارجحن الشباب، وتغشمرت، وتكعكعت. (2)
أن شعره أحيانا كثير الجلبة، قليل المعنى، كما ذكر ابن رشيق. (1-4) ابن شهيد وابن حزم
كانا متعاصرين، وكان صديقين، وكانا وزيرين، وكان يعملان للدولة العامرية، وكان ذوي ميول أموية، مكنت من الدسائس لهما، وكانا في الشعر وسطا، ولعب الحب بهما معا. فأما ابن شهيد، فقد قعد به عن الجودة في الشعر تفوقه في النثر، فهو في الشعر أضعف منه في النثر، وقلما نجد في التاريخ من ملك ناصية النوعين، وبرز في القولين، فغاية الأديب أن يكون قويا في أحدهما، وسطا في الآخر، وقد اشتهر ابن شهيد بفصوله ورسائله وروايته «التوابع والزوابع»، وسيأتي الكلام عليها في النثر. وقد شعر في المديح والوصف والغزل، حتى خافت جاريته منه مرة أن يتغزل فيها فيفضحها، واشتهر بالنادرة اللطيفة الحلوة، ورووا أنه أصيب بالصمم فمنعه ذلك عن الاشتغال بالسياسة.
قال فيه ابن حيان: «كان ابن شهيد يبلغ المعنى، ولا يطيل سفر الكلام ... والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نظمه ونثره في بديهته ورويته، فيقول الكلام كما يريد، من غير اقتناء لما كتب، ولا اعتناء بالطلب، ولا رسوخ في الأدب، فإنه لم يوجد له فيما بلغنا بعد موته كتاب يستعين به على صناعته، ويشحذ من طبعه، إلا ما لا قدر له، فزاد ذلك في عجائبه، وإعجاز بدائعه. وكان في تنميق الهزل والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك، وشعره حسن عن أهل النقد، وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة، وأنواع التعريض، والأهزال. وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدته آية من آيات الله، «مع هواه الشديد»