وما ذعرت إلا بجرس حليها
ولا رمقت إلا برى في مخدم
11
وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد. وما الذي يفيدنا أن تكون هذه المنسوب بها لبست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع فرس، أو لمع سيف».
والحق أن شعره فخم ضخم مملوء بالقعقعة، جاهلي الأسلوب، يشبه في ذلك المتنبي، غير أن المتنبي أدق معنى، وابن هانئ أطول نفسا. وسميت قصيدته هذه مذهبة؛ لأنه أنشأها على نحو معلقة عنترة، وكانت المعلقات تسمى المذهبات. وقال فيه فون كريمر الألماني: «إنه قوي البيان، كثير التمثيل، جيد الألفاظ، حسن الوصف، لا يقدر على مسايرته في هذا الوصف إلا القليل». وأكثر شعره في مدح الفاطميين، وإشاعة محامدهم، ومن قرأه شعره يرى أنه فيه خصائص: (1)
أن من فهم كلامه بعد التعب، تلذذ من شعره، وأعجب بفنه. (2)
طول نفسه، فهو يتعرض للمعنى حتى يصفيه، شأن ابن الرومي لولا كثرة غريبه. (3)
عنايته بالمقابلة بين الشطر الأول، والشطر الثاني في كثير من أبياته مثل قوله:
ففي ناظري عن سواكم عمى
وفي أذني عن سواكم صمم
ولا كل ما في أكف ندى
ولا كل ما أنوف شمم
فما فارق البشر لما اكفهر
ولا نسي العفو لما انتقم (4)
شبه شعره بالشعر الجاهلي في القوة، ومتانة السبك، وقدرة استخدام الألفاظ، وبساطة المعاني عند فهمها. (5)
اتصال شعره اتصالا كبيرا بالدين، إذ كانت دعوته فاطمية فكان متأثرا بتعاليمهم، معتمدا نشرها بين قرائه. ويقع أحيانا على معان كثيرة عرض لها المتنبي، فمثلا يقول المتنبي:
كل حلم أتى بغير اقتدار
حجة لاجئ إليها اللئام
ويقول ابن هانئ:
وكل أناة في المواطن سؤدد
ولا كأناة من قدير محكم
ويقول ابن هانئ:
وإذا خامر الهوى قلب صب
فعليه لكل عين دليل
ويقول ابن هانئ:
ألم يبد سر الحب أن من الضنا
رقيبا وإن لم يهتك السر هاتك؟
ويقول المتنبي:
يكاد من صحة العزيمة ما
يفعل قبل الفعال ينفعل
ويقول ابن هانئ:
عرفت في كل صنع الله عارفة
فما تهم بأمر غير منفعل
والقارئ لديوانه يرى تعالم الشيعة مبثوثة فيه، فشروط الدعوة والإمام المعصوم، وحقه في الخلافة، وبطلان الدعوة العباسية، وكل الاصطلاحات الإسماعيلية مبثوثة في ديوانه، فهو يضفي على الممدوحين من الخلفاء صفة التقديس تقريبا، فيقول مثلا:
وما هو إلا أن يشير بلحظه
فتمخر فلك أو تهز مقانيب
12 •••
هو علة الدنيا ومن خلقت له
ولعلة ما كانت الأشياء
من صفو ماء الوحي وهي محاجة
من حوضه الينبوع وهو شفاء
واتبع تعاليم الشيعة في القول بتقديس الإمام، وأن فيه قبسا من نور الله:
هذا أمين الله بين عباده
وبلاده إن عدت الأمناء •••
هو الوارث الأرض عن أبوين
أب مصطفى وأب مرتضى •••
بالله من سبب بالله متصل
وظل عدل على الآفاق ممدود
هذا الشفيع لأمة تأتي به
وجدوده لجدودها شفعاء
وهم يقولون بعصمة الإمام:
من كان سيما القدس فوق جبينه
فأنا الضمين بأنه لا يجهل •••
مؤيد باختيار الله يصحبه
وليس فيما أراه الله من خلل
والإمام قد عصمه الله، وهو مظهر من نور الله:
وما كنه هذا النور نور جبينه
ولكن نور الله فيه مشارك •••
وبذا تلقى آدم من ربه
عفوا وفاء ليونس اليقطين •••
لو كان علمك بالإله مقسما
في الناس ما بعث الإله رسولا •••
لو كان لفظك فيهم ما أن
زل القرآن والتوراة والإنجيلا
هذا ضمير النشأة الأولى التي
بدأ الإله وغيبها المكنون
من أجل هذا قدر المقدور في
أم الكتاب وكون التكوين
ويقول:
تالله لو كانت الأنواء تشبهه
ما مر بؤس على الدنيا ولا قنط
أبدى الزمان لنا من نور طلعته
عن دولة ما بها وهن ولا سقط
إمام عدل وفى في كل ناحية
كما قضوا في الإمام العدل واشترطوا
قد بان بالفضل عن ماض ومؤتنف
كالعقد عن طرفيه بفضل الوسط
لا يغتدي فرحا بالماء يجمعه
ولا يبيت بدنيا وهو مغتبط
إن الملوك وإن قيست إليك معا
فأنت من كثرة بحر وهم نقط
ويقول:
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه