وأصبت في سبأ مورث ملكها
يسبي الملوك ولا يدب له الضرا
فكأنما تابعت تبع رافعا
أعلامه ملكا يدين له الورى
وحططت رحلي بين ناري حاتم
أيام يقري موسرا أو معسرا
وأتيت نجدك وهو يرفع منبرا
للدين والدنيا ويخفض منبرا
تلك البدور تتابعت وخلفتها
سعيا فكنت الجوهر المتخيرا
فترى من هذا محاكاته للمتنبي في الوزن والقافية، وتقليده له في أسلوبه ومعانيه، وقد وصف الأسطول وصفا لطيفا إذ قال:
إليك شحنا الفلك تهوي كأنها
وقد ذعرت من مغرب الشمس غربان
على لجج خضر إذا هبت الصبا
ترامى بنا فيها ثبير وثهلان
موائل ترغى في ذراها موائلا
كما عبدت في الجاهلية أوثان
يرددن في الأحشاء حر مصائب
تزيد ظلاما ليلها وهي نيران
إذا غيض ماء البحر منها مددنه
بدمع عيون تمتريهن أشجان
وإن سكنت عنها الرياح جرى بها
زفير إلى ذكرى الأحبة حنان
يقلن وموج البحر والهم والدجى
تموج بما فيها عيون وآذان
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا
سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان؟ ... إلخ.
وحتى هذا الوصف الجميل للأسطول إنما ورد أثناء مدحه للأمير، وكذلك وصفه لأشياء أخرى، فهو قد جنى على نفسه بتوجيهها إلى المديح فقط، والمديح غالبا لا ينبع من القلب وإنما ينبع من غريزة الطمع؛ وحتى الأسطول والإشادة به، كان أولى أن يشاد بعظمته، لا أنه من نتاج أمير؛ بل لأنه دليل على عظمة الأمة وقوتها، واعتزازها بأدوات القتال المتنوعة.
9 (1-3) ابن هانئ الأندلسي
يلقب بابن هانئ الأندلسي تمييزا له عن ابن هانئ المشرق وهو أبو نواس، وقد ولد في قرية من قرى إشبيلية بالأندلس نحو سنة 320ه، وعده بعضهم أشعر شعراء الأندلس من المتقدمين والمتاخرين، وقال عليه: إنه متنبي المغرب، وهو من أصل أزدي يمني، حتى قالوا: إنه من نسل المهلب بن أبي صفرة، وهو كذلك أزدي؛ ولذلك توصف قصائده بأنها أزدية يمنية. اتصل بصاحب إشبيلية أول أمره فأكرمه، وأقام معه زمانا، ثم غضب الناس عليه لاتهامهم إياه بالفلسفة، ويظهر ذلك من مزجه الدعوة الفاطمية في شعره بشيء من التفلسف، وكانت الفلسفة في جوه مكروهة. والظاهر أنهم نقموا عليه دعوته الفاطمية، وهم ذوو نزعة أموية، وتعددت نقمتهم عليه إلى ملك إشبيلية فأشار عليه بالمغيب عن البلدة مدة ينسى فيها خبره، فخرج إلى المغرب، ولقي القائد جوهرا، ومدحه فأعطاه مائتي درهم، فاستقلها.
وأخيرا بلغت مقدرته الشعرية المعز لدين الله فاتح مصر، فبالغ في إكرامه، ورأى أنه إن فتح مصر احتاج إليه كثيرا في مدحه وإعلاء شأنه، كما يحتاج الفاتحون عادة إلى الجرائد، فأكرمه إكراما عظيما، وأهدى إليه تحفا كثيرة، وأقام له قصرا في القيروان، ودعاه إلى أن يسافر معه في فتح مصر، فطلب أن يتخلف قليلا حتى يعدل أمره، ويصطحب أهله، فلما وصل إلى برقة أضافه شخص من أهلها، ثم عربدوا عليه فقتلوه وهو سكران، وقيل: إنه وجد في ساقية من سواقي برقة مقتولا. ويظهر أن دعاة الأمويين خافوا من دعوته الشيعية الفاطمية، وكرهوا ذلك منه فقتلوه، وذلك سنة 362ه، فيكون عمره إذ ذاك نحو اثنتين وأربعين سنة.
وقد أجمع المؤرخون على أنه من فحول الشعراء، قال ابن الخطيب: «كان ابن هانئ من فحول الشعراء، لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، مع المشاركة في العلوم». وقال ابن شرف: «إنه نجدي الكلام، سردي النظام، وإذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه، رمى بها عن منجنيق لا يؤثر في النفيق. وله غزل معدي
10
لا عذري ... كان في دينه في أسفل منزلة، ولو عقل ما ضاقت عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليه بالكفر». ويقول ابن رشيق في تعداد أصناف الشعراء: «وفرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى، إلا القليل النادر، كأبي القاسم ابن هانئ ومن جرى مجراه، فإنه يقول أول مذهبته:
أصاخت فقالت: وقع أجرد شيظم
وشامت فقالت: لمع أبيض مخذم