تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد موت المنصور بن أبي عامر كان شاعر البلاط لابنه المظفر، وبسقوط الدولة العامرية اتصل ببقايا الدولة الأموية التي عادت من بعد، ثم رأيناه يذهب إلى بلنسية، ثم سرقسطة، ويمدح أميرها المنذر بن يحيى الذي آواه وأكرمه، وبقي عنده حتى مات؛ ومدحه أيضا ابن خلدون في مقدمته، وعده من كبار أدباء الأندلس. والحق أن شعره كما سترى يشبه شعر المتنبي في المظهر دون المخبر، فشعر المتنبي في مظهره أسلوب فخم قوي، تسمعه كأنه قعقعة سلاح، ومكنته قدرته على أن يأتي بألفاظ جزلة، وأساليب عربية يستطيع أن يرغمها على التقديم والتأخير، والذكر والحذف ... إلخ. ولكم لم يكن لابن دراج قوة المتنبي في المعاني الذهنية الدقيقة، ولا حكمه الرفيعة، إنما هو تلميذ المتنبي في فخامة شكله. وهي مدرسة كان على رأسها ابن دراج، ومن تلاميذها ابن شهيد، وابن هانئ، وقد قال المعري في ابن هانئ: «إن شعر ابن هانئ يشبه رحى تطحن قرونا» أي: أنه قعقعة ولا طحن، أو طحن من غير جدوى.

وفي الحقيقة أنك إذا قرأت شعر هؤلاء الثلاثة أدركت أن شعرهم من رأسهم، على حين أنك تشعر أن شعر الغزال وابن زيدون الذي سيأتي بعد وأمثالهما من قبلهم لا من رأسهم. وفرق بين الصوت القوي الأقرع الذي يخرج من الرأس، وبين الصوت الحنون الذي يخرج من القلب. ومن السهل تقسيم الشعر الأندلسي، بل والشعر العربي عامة إلى مدارس: فهؤلاء الثلاثة مدرسة، وابن عبد ربه والغزال وابن زيدون مدرسة أخرى.

وقد روي أن لابن دراج ديوانا من جزأين ولكن مع الأسف لم يصل إلينا، وقد روى لنا صاحب نفح الطيب قطعتين في المديح، وشاد بذكرهما، أولاهما:

ألم تعلمي أن الثواء هو التوى

8

وأن بيوت العاجزين قبور

وأن خطيرات المهالك ضمن

لراكبها أن الجزاء خطير

تخوفني طول السفار وإنه

بتقبيل كف العامري جدير

مجير الهدى والدين من كل ملحد

وليس عليه للضلال مجير

تلاقت عليه من تميم ويعرب

شموس تلاقى في العلا ويدور

هم يستقلون الحياة لراغب

ويستصغرون الخطب وهو كبير

ولما توافوا للسلام ورفعت

عن الشمس في أفق الشروق ستور

وقد قام من زرق الأسنة دونها

صفوف ومن بيض السيوف سطور

رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها

وآيات صنع الله كيف تنير

وكيف استوى بالبر والبحر مجلس

وقام بعبء الراسيات سرير

فجاءوا عجالا والقلوب خوافق

وولوا بطاء والنواظر صور

يقولون والإجلال يخرس ألسنا

وحارت عيون ملئها وصدور

لقد حاط أعلام الهدى بك حائط

وقدر فيك المكرمات قدير •••

قالت وقد مزج الفراق مدامعا

بمدامع وترائبا بترائب

أتفرق حتى بمنزل غربة

أم نحن للأيام نهبة ناهب

ولئن جنيت عليك نزحة راحل

فأنا الزعيم لها بفرحة آيب

هل أبصرت عيناك بدرا طالعا

في الأفق إلا من هلال غارب

قال ابن شهيد وهو من هو: «الفرق بين ابن دراج وغيره، أن ابن دراج مطبوع النظام، شديد أسر الكلام، زاد في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر واللغة والمثل، وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره، وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه فيما يضيق الأنفاس».

ومن شدة متابعته للمتنبي أنه رأى المتنبي يمدح ابن العميد فيقول:

من مبلغ الأعراب أني بعدها

جالست رسطاليس والإسكندرا

ولقيت بطليموس دارس كتبه

متبديا في ملكه متحضرا

ولقيت كل الفاضلين كأنما

رد الإله نفوسهم والأعصرا

فقال ابن دراج:

أبني لا تذهب بنفسك حسرة

عن غول رحلي منجدا أو مغورا

فلئن تركت الليل فوقي داجيا

فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا

وحللت أرضا بدلت حصباؤها

ذهبا يرف لناظري وجوهرا

ولتعلم الأملاك أني بعدها

ألفيت «كل الصيد في جوف الفرا»

ورمى علي رداءه من دونهم

ملك تخير للعلا فتخيرا

كلا وقد أنست من هود هدى

ولقيت يغرب في القيول وحميرا

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦٨