تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تدني الحمامة منها وهي لاهية

من يانع المرد قنوان العناقيد

ما هي الحمامة؟ قالوا: هي الحمامة تنزل على غصن الأراكة أو الكرمة، فتنفضه، فتتمكن الظبية منه فترعاه، فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال: إن الحمامة في هذا البيت هي المرأة، وهي اسم من أسمائها، فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية، إذا نظرت في المرآة أدنت المرآة من شعرها الذي هو كقنون العناقيد من يانع الكرم أو المرد فرأته»، وهذا يعطينا مثلا من أمثلة ما كان يجري في مجلس ابن أبي عامر من المناظرات.

ولما مات المنصور تولى الإمارة من بعده ابنه إلى باقي أسرته، وسميت دولتهم الدولة العامرية.

ومع كل ما تقدم ظل قوم طول مدة دولتهم يدبرون المكائد لإسقاط العامريين وإعادة الأمويين؛ ولذلك كانت أكبر تهمة يتهم بها الرجل أعداءه عند المنصور وأولاده، أنه أموي، أو أن له ميلا أمويا، أو أنه يعمل مع المتآمرين لإرجاع الدولة الأموية، وأخيرا رجعت الدولة الأموية إلى حين، ولكن لم تدم طويلا.

وإتماما لهذا نقول: إنه أثناء هذه الفتن في قرطبة، وإشبيلية كان هناك رجل اسمه «ابن جهور» لم يدخل في فتن الناس، فلفت أنظارهم فساروا إليه، يطلبون توليته قرطبة، فرفض أولا، ثم قبل على شرط أن يكون حوله مجلسا شوريا لا يقطع أمرا دونه. وسار سيرا عادلا، وكسر دنان الخمر، وغسل يده من مال الدولة، فوكل عليه من يحفظه، وظل في مسكنه، ولم يرض أن ينتقل إلى مساكن الخلفاء قبله، ورفع المظالم عن الناس، وكلما ورد عليه طلب خاص حوله على مجلس الشورى للنظر فيه، وحسن العلاقة بينه وبين الممالك المجاورة، وظل هو الآخر يخشى من الدسائس التي تريد عودة البيت الأموي.

وفي هذا العهد تفرقت الأندلس بعد الخلافة الأموية والدولة العامرية، وتفرق أهلها شيعا، وقام في كل ناحية أمير دولة، وسمي هذا العهد لأجل ذلك «عهد ملوك الطوائف». قال ابن حزم: «كانت طرطوشة وسرقسطة ولاردة في يد بني هود، وبلنسية في يد عبد العزيز، والثغر - أي: ما فوق طليطلة من جهة الشمال - في يد بني زرين، وطليطلة في يد ذي النون، وقرطبة في أيدي أبناء جهور، وإشبيلية في يد بني عباد، ومالقة والجزيرة الخضراء في يد بني برزال من البربر، ودانيه والجزائر الشرقية في يد مجاهد العامري، وبطليوس ولشبونة وشنترين في يد بني الأفطس».

وكل هذه الأحداث والاضطرابات والفتن كان لها دخل كبير في سيرة الشعراء الذين سنتكلم عنهم، كابن دراج القسطلي، وابن شهيد، وابن حزم، وابن زيدون. وسنلقى في سيرهم كلهم أحداثا وأشعارا، لا نستطيع أن نفهمها إلا بفهمنا هذا الوضع السياسي. (1-2) ابن دراج القسطلي

هو أبو عمر أحمد بن محمد، ولد سنة 347ه ومات سنة 421ه، يعد من كبار شعراء الأندلس، أو أكبر شاعر في عصره. وقد قال تلميذه ابن حزم: «إنه في المغرب، كالمتنبي في المشرق». واشتهرت هذه الجملة، فكانت على لسان كل من ترجم له. ووصل شعره إلى المشرق، فمدحه الثعالبي في اليتيمة وقال هذا القول.

والحق أنه كان هناك بذور في الأندلس مشرقية مختلفة الأنواع، فأخذ كل شاعر أندلسي البذرة التي تناسبه، وامتصت من نفسه كل ما يناسبها، هذا يألف شعر أبي نواس فيقلده، وهذا يألف شعر المتنبي فيحاكيه، وهذا يألف شعر العباس بن الأحنف فيتشبه به. وكان ابن دراج هذا على رأس أربعين شاعرا تقريبا يمدحون المنصور بن أبي عامر، ويأخذهم معه في غزواته، فكان أيضا ممن مدحه، وكان في ديوان الإنشاء له، وشعره تقريبا كله أو أكثره فيما وصل إلينا مديح ابن دراج المنصور ومن بعده ومن بعده، وهذا أيضا وجه شبه آخر، وهو من أصل بربري، ولد في قسطلة من أعمال البرتغال.

وكان للمنصور بن أبي عامر مجلس تتبارى فيه الشعراء، فكان هو من أعظمهم، وإن شئت فقل: أعظمهم، وكما حسد المتنبي حسد هو، واتهموه بأنه سراق لمعاني غيره، فرد عليهم بقدرته على الارتجال فيما يقترح عليه. ومن أحسن قصائده قصيدة قالها عند فتح المنصور «شنتياقوب»، وقد مدحها مدحا كبيرا ابن حزم.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦٧