تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

درس ابن أبي عامر هذا دراسة واسعة على نمط الدراسات في الأندلس، واتخذته «صبح» هذه كاتبا لها أول الأمر، قبل وفاة زوجها الحكم، وعين في بعض الأوقات رئيسا للزكاة وللمواريث، ثم توثقت الصلة بينه وبين «صبح» وتمكن في قلبها، وتمكنت في قلبه، فعينته حاجبا - أي: رئيس وزارة - وأطلقت يده في الحكم، فتسلم كل أعمال الخلافة، وحجر على هشام، فلم يسمح له إلا باللهو واللعب، ومغازلة النساء، حتى ينهار، ولكن لغط الناس كثيرا، فهم قد ألفوا البيت الأموي وأطاعوه قرونا، والناس عبيد الإلف لا يرضون أن يغيروا من استعبدهم، ولو ظلمهم. فعمل المنصور بن أبي عامر كثيرا في إغداق الأموال، وقتل منافسيه أو تشريدهم، وتنظيم الجيش، عن عرب وبربر، حتى جند فرقة من النصارى، وسيرهم في محاربة أهل دينهم، ووضع خطة جديدة، وهي أنه لا ينتظر الإسبان ليهاجموا البلاد، بل يبدأ هو بالهجوم، واتخذ سمة الملك، وضربت باسمه النقود، ودعي له على المنابر، وأمر أن يحيا تحية الملوك، ووفقه الله في الحروب، فانتصر في نحو خمسين غزوة. ومن غير شك إذا غضضنا النظر عن ألاعيبه مع «صبح» وحجره على الخليفة، واختيار الخلافة لنفسه، رأينا أنه رجلا عظيما، استطاع أن يتغلب على كل العقبات، وساس البلاد نحو عشرين سنة.

وقد سقنا هذه الأحداث التاريخية؛ لأنها كانت ذات أثر فعال في الشعر، فالخلافة الأموية لما ضعفت ضعف الشعر، كضعفه لما ضعفت الدولة العباسية، فلما جاءت الدولة العامرية، ورأت أن تستعين بالشعراء في تحويل أنظار الشعب عن الملوك الأمويين، والاعتماد عليهم في تحسين سمعتهم، وتمجيد ذكرهم، خصوصا وقد أغدق عليهم ابن أبي عامر المال الجزيل - علا شأن الشعر بعد ضعفه، وقد روي أنه كان يستعين بالشعراء في إعلاء شأنه، ويأخذ معه طائفة منهم في غزواته. فعاد شأن الشعر رفيعا كما كان في عهد الدولة الأموية أيام عزها، ورأينا أمثال ابن شهيد، وابن حزم، وابن دراج - وحكى المقري أن الشعراء اجتمعوا مرة لمديح المنصور، وكان فيهم الرمادي الشاعر الكبير فأعطاه، ثم سأله: كيف عطائي لك؟ قال الرمادي: «أعطيتني فوق قدري ودون قدرك». فغضب المنصور، فلما خرج الرمادي، كان في المجلس من يحسده على مكانه، فوقع فيه، وعابه، فنهره المنصور، وأحقه فيما قال، وقال: والله لو حكمته في بيوت الأموال لرأيت أنها لا ترجع ما تكلم به ذرة، وأنبه على ذلك، ثم أمر أن يرد الرمادي وطلب منه أن يعيد ما قال، وزاد في عطائه، والتفت إلى العائبين عليه، وقال: العجب من قوم يقولون: الابتعاد عن الشعراء أولى من الاقتراب. نعم، ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أياد يرغب في نشرها، فأين الذي قيل فيه:

إنما الدنيا أبو دلف

بين باديه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلف

ولت الدنيا على أثره

لقد كان في الإسلام أكرم منه، ولكن خلدته الأمداح، وخصته بمفاخر عصره.

6

قال في المعجب: «إن المنصور بن أبي عامر كان يعقد طول أيام مملكته في كل أسبوع مجلسا، يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته، ما كان مقيما بقرطبة، وكان كثير الغزوات، وملأ الأندلس غناء، وسبيا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم، وفي أيامه غالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدروع، وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة؛ بلغني أنه نودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة، وكانت ذات جمال رائع، فلم تساو أكثر من عشرين دينارا».

7

وقد روى لنا في موضع آخر مثلا من أمثلة هذه المناظرات، فقال مثلا: «إن أبا العلاء صاعدا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور بن أبي عامر عن قول الشماخ:

دار الفتاة التي كنا نقول لها

يا ظبية عطلا حسانة الجيد

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦٦