تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بادر إلى التوبة الخلصاء مبتدئا

والموت ويحك لم يمدد إليك يدا

وارقب من الله وعدا ليس يخلفه

لا بد لله من إنجار ما وعدا •••

يا ويلنا من موقف ما به

أخوف من أن يعدل الحاكم

أبارز الله بعصيانه

وليس لي من دونه راحم

يا رب غفرانك عن مذنب

أسرف إلا أنه نادم •••

أتلهو بين باطية وزير

وأنت من الهلاك على شفير

فيا من غره أمل طويل

يؤديه إلى أجل قصير

أتفرح والمنية كل يوم

تريك مكان قبرك في القبور

هي الدنيا فإن سرتك يوما

فإن الحزن عاقبة السرور

ستسلب كل ما جمعت منها

كعارية ترد إلى المعير

وتعتاض اليقين من التظني

ودار الحق من دار الغرور

وله جملة من الشعر في العقد وفي يتيمة الدهر، وفي تاريخ ابن الفرضي، فنراه في شعره مقيدا نفسه بموضوعات الشعر الشرقية، لا يخرج عنها، وببحور الشعر المأثورة وقوافيه، لا يخرج عنها أيضا، ونراه يعارض المشارقة ويسير في ركابهم، ويجتهد ما استطاع أن يأخذ معانيهم، ويزيد عليها، ويختار في كل نوع من الشعر إماما من المشارقة، فطورا إمامه الغواني، وطورا أبو نواس، وطورا أبو العتاهية وغيرهم. لم يتحرر تحررا كافيا، ولم يصغ إلى قلبه فقط، وقد روي أن له شيئا جديدا عن المشرق، هي موشحاته، ولكنه أيضا يقلد فيه من سبقه من الوشاحين الأندلسيين، ولعل له شعرا يستقل فيه بنفسه لم يصل إلينا، إذ كان له - كما يقولون - ديوان كبير يتألف من أجزاء. فحكمنا الذي نصدره على ما بين أيدينا حكم ناقص، يحتاج إلى استقصاء أكثر، أما ما بين أيدينا، فشعره العاطفي من غزل وزهد وهجاء، شعر جيد العاطفة، قوي الخيال، رصين الأسلوب، وإن كان يسقط أحيانا في بعض أساليبه، وبعض ألفاظه، فكلمة مقلة بدل عين ليست كلمة شعرية، وبعض الكلمات فسرت قسرا على أن تكمل القافية، ومعانيه لطيفة جيدة؛ أما كلامه في المديح، فمتكلف ليس فيه عاطفة، إنما هو صادر عن رغبة في عرض من أعراض الدنيا، وأرجوزته ليست بذات خطر شعري، وأظن أننا لو عددناه من الطبقة الثانية في الشعراء أجمعين، لم نعد الصواب، ونعني بالطبقات تقسيم الشعراء حسب الجودة، لا حسب التواريخ، وأجودهم أعلاهم، وأيا ما كان، فقد أفسح المجال لمن يأتي بعده، أن يحتذي أو يفوق عليه.

كان الغزال وابن عبد ربه من شعراء الدولة الأموية في الأندلس، وغيرهم من شعرائها كثير.

استمر حكم الأمويين في الأندلس، ما استقامت أمورهم، وحكمها في أول أمرها خلفاء عظماء، مثل: عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والحكم، وأمثالهم، ولكن خلف من بعدهم خلف ضعيفو النفوس، ينغمسون في الشهوات، ففسد أمرهم. وأخذت الدولة الأموية في الضعة، وعمل على ذلك عوامل كثيرة؛ منها ما كان يوقعه الخلفاء وعمالهم على الناس من مظالم، ومنها أن الدولة الأموية في الأندلس عملت ما عمله الخلفاء في بغداد، هؤلاء اعتمدوا على الأتراك وملكوهم كل سلطة، فكانوا وبالا عليهم، وهؤلاء الأندلسيون اعتمدوا على الصقالبة، وهي كلمة تجمع أسرى الحروب من الإفرنج، وما كان يأخذه القراصنة من الأهالي الأوربيين، فكان هؤلاء بعد حين قوة كبيرة في الدولة تعيث في الأرض فسادا، ومنها أن عنصر البربر كان متعبا، يتحين الفرصة دائما للوثوب على الدولة، والرغبة في الاستقلال ... يضاف إلى ذلك أن النصارى في إسبانيا وفرنسا كانوا ينظرون إلى المسلمين من عرب وبربر على أنهم أعداء دين، وغزاة فاتحون، ودخلاء غاصبون، فما يحس قوم منهم بقوة إلا ويهجمون على المسلمين حيثما استطاعوا، فيقلقون راحتهم؛ وكل ذلك أضعف الدولة من غير شك.

وزاد الطين بلة أن ولي آخر الأمر هشام بن الحكم، وكان طفلا في نحو العاشرة من عمره، بويع بالخلافة، وعينت أمه «صبح» وصية عليه، وهي نصرانية نافارية، ذات شخصية قوية، استطاعت أن تبسط سلطانها على زوجها الحكم، وتتدخل في شئون الدولة، مع قوته وعظمته، فلما وجدت ابنها هشاما طفلا صغيرا، أعلى ذلك من شأن سلطانها بمعاونة صاحبها جعفر المصحفي، ولكن سرعان ما ظهر في الأفق رجل اسمه محمد بن عبد الله بن أبي عامر، من أصل عربي قح، كان جده من العرب الوافدين على الأندلس مع طارق بن زياد.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦٥