تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبدأ باسم الله في الترجيز

رب الأنام الملك العزيز

ثم بذكر المصطفى محمد

صلى عليه الله طول الأبد

وبعده:

والحمد لمبتدع السماء

والأرض ذي الآلاء والنعماء

سبحانه من خالق جبار

يعلم ما في البر والبحار

ويقول في التفكر في الملكوت:

يا من يجيل فكره للعبره

في كل موضوع له بالفكره

انظر إلى الموات والنبات

والحيوان نظر استثبات

كيف ترى التكوين فيها مائلا

ينبيك أن لقواها فاعلا

يؤلف الأربعة العناصرا

يمنع من أضدادها التنافرا

فإذا وصل إلى أبي بكر مثلا قال:

فاستخلف الصديق ثاني اثنين

ذاك أبو بكر بغير مين

جرد في جهاد أهل الردة

ولم يكن يرضى بغير الشدة

ثم توفاه الإله راضيا

وكان في ذات الإله ماضيا

إلى أن يقول في المرابطين:

فإذا أراد الله نصر الدين

استصرخ الناس ابن تاشفين

فجاءهم كالصبح في إثر غسق

مستدركا لما تبقى من رمق

وافى أبو يعقوب كالعقاب

فجرد السيف عن القراب

ووصل السير إلى الزلاقه

وساقه ليومها ما ساقه

لله در مثلها من وقعة

قامت بنصر الدين يوم الجمعة

وهي أرجوزة طويلة أقرب إلى الملحمة من أرجوزة ابن عبد ربه، وقد أثبتها كلها ابن بسام في الذخيرة.

ومن شعر ابن عبد ربه أنه أحب فعزم محبوبه على الرحيل، فأتت السماء بمطر جود حال بينه وبين السفر فقال:

هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر

هيهات يأبى عليك الله والقدر

ما زلت أبكي حذار البين ملتهفا

حتى رثا لي فيك الريح والمطر

يا بردة من حيا مزن على كبد

نيرانها بقليل الشوق تستعر

آليت ألا أرى شمسا ولا قمرا

حتى أراك، فأنت الشمس والقمر

وقد حكى أنه وقف تحت روشن لبعض الرؤساء، وقد سمع غناء حسنا، فرش بماء، فمال إلى مسجد قريب وطلب بعض ألواح الصبيان فكتب فيها:

يا من يضن بصوت الطائر الغرد

ما كنت أحسب هذا البخل في أحد

لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة

أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد

فلا تضن على سمعي تقلده

صوتا يجول مجال الروح في الجسد

لو كان زرياب حيا ثم أسمعه

لذاب من حسد أو مات من كمد

أما النبيذ فإني لست أشربه

ولست آتيك إلا كسرتي بيدي

وقد كان له أشعار كثيرة سماها الممحصات؛ لأنه نقض فيها كل قطعة قالها في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد، فقال: إنه محصها بها؛ كالتوبة منه، والندم عليها، فمثلا محص القطعة الرائية التي مضت ومطلعها: هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... إلخ برائية أخرى قال فيها:

يا قادرا ليس يعفو حين يقتدر

ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر

عاين بقلبك إن العين غافلة

عن الحقيقة واعلم أنها سقر

سوداء تزفر من غيظ إذا زفرت

للظالمين فلا تبقي ولا تذر

لو لم يكن لك غير الموت موعظة

لكان فيه عن اللذات مزدجر

إن الذين اشتروا دنيا بآخرة

وشقوة بنعيم، ساء ما تجروا

أنت المقول له ما قلت مبتدئا «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر؟»

ومن شعره السائر قوله:

الجسم في بلد والروح في بلد

يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد

إن تبك عينك لي يا من كلفت به

من رحمة فهما سهمان في كبدي

وقد عمر حتى بلغ الثانية والثمانين فقال:

كلاني لما بي عاذلي كفاني

طويت زماني برهة وطواني

بليت وأبلتني الليالي بكرها

وصرفان للأيام معتوران

وما لي لا أبلى لسبعين حجة

وعشر أتت من بعدها سنتان

فلا تسألاني عن تباريح علتي

ودونكما مني الذي ترياني

وإني بحمد الله راج لفضله

ولي من ضمان الله خير ضمان

ولست أبالي من تباريح علتي

إذا كان عقلي باقيا ولساني

هما ما هما في كل حال تلم بي

فذا صارمي فيها وذاك سناني

وقد ذكر المؤرخون أنه مات في تلك السنة عن إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام. وقد حكى الحميدي أنه رأى شعره مجموعا في نيف وعشرين جزءا جمع للحكم بن عبد الرحمن الناصر.

ويظهر أنه كان في شبابه ماجنا لاهيا شاربا غزلا، فلما كبرت سنه زهد، وأصبح إمامه في الشعر ليس صريع الغواني مسلم بن الوليد في غزلياته، ولا أبا نواس في خمرياته، إنما إمامه أبو العتاهية في زهده وورعه، وخوفه وتقواه، فيقول مثلا:

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦٤